ماذا لو كان عندهم وسائل إعلام كالتي عندنا؟
ماذا لو كان عندهم وسائل إعلام كالتي عندنا؟
جاء في كتاب سلك الدرر في تراجم أعيان القرن الثاني عشر للمرادي في ترجمة حسن الحنبلي (وهو شافعي المذهب والحنبلي نسب) (٢/٣١): "وكان من الخطباء المحسنين، وكان شديد الإنكار والتعصب على الدخان وشاربه حتى كاد أن يقول بحرمته، وكان إذا حضر في مجالس من يحتشمونه لا يشربون أبدًا، وإذا شُرِب في مجلس أمسك أنفه بأصابعه وتأنف وقال يا أخي أكفف أذاك عنا، واستمر على ذلك إلى قبيل موته بنحو عامين حتى اعتراه حادر حار فعالجه فلم يفده شيئًا فوصف له الدخان فوقف برهة وزاد به الألم فشربه وترك الاعتراض وكان معاصره الشيخ قاسم البكرجي مثله بل أشد تعصيبًا منه فحصل له قبل موته حادر ذهبت به عينه الواحدة فأمره الطبيب بشرب الدخان خوفًا على عينه الثانية فشربه، وقد شاهدته في بلدتنا دمشق الشام وقع لبعض أحبابنا من الأفاضل وكان كما ذكر فبعد مدة صار ديدنه شربه".
أقول: خلاصة هذه القصة أن شيوخًا كانوا يُنكِرون شرب الدخان فاحتاجوا إليه وشربوه وتركوا الإنكار.
هذه القصص أنا في شكٍ من صحتها فالتواريخ المتأخرة هي وكرة للتصوف والخرافات، ولا يوجد فيها أسانيد المتقدمين ولا نقدهم، ولهذا تجد قصصًا عجيبة كدعوى أن ابن تيمية قال أنا أشعري دون أي ضغط وبكامل إرادته، ودعاوى كرامات عجيبة كدعوى أنّ فلانًا في مرضه قرأ البردة فشُفي وأن فلانًا تكلم في فلان فوُجِد لسانه أسود بعد الوفاة، وغيرها مما لا تتحقق صحتها أو حتى يقطع ببطلان بعضها.
غير أن هذه القصة على فرض صحتها لا شك أنها كانت متداولة بين العوام المدخنين آنذاك.
ولو كانت عندهم وسائل إعلام كمثل عصرنا لمثلوها وأفشوها في الناس ليسخروا من هؤلاء الشيوخ المتشددين.
ولكنِ اليوم كلنا يعلم أنهم كانوا على حق وأنَّ التدخين فعلًا ضار ولكن هذا لمَّا شهد الغربيون بذلك، وكم شيء كمثل الدخان.
هل يمكننا السخرية من الأطباء لأنهم لم يكشفوا ضرر التدخين وأن بعضهم كان يصفه للمرضى (على فرض صحة القصة)؟
أم أن الأمر مختص بالشيوخ؟
أمور تستدعي وقفة إنصاف.