كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

كيف حنت أم المؤمنين على رسول الله ﷺ؟

المصدر
كيف حنت أم المؤمنين على رسول الله ﷺ؟ قال البخاري في صحيحه: "3231- حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثني عروة، أن عائشة رضي الله عنها، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، حدثته أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد، قال: "لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسلم علي، ثم قال: يا محمد، فقال، ذلك فيما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، لا يشرك به شيئا". هذا الحديث مر علي كثيراً ولم ألحظ فيه ما لحظته بالأمس، وهو سؤال أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها لرسول الله ﷺ: «هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟». هذا السؤال ينضح محبة ووعياً. عائشة أم المؤمنين تحب زوجها رسول الله ﷺ حبين، الأول كما تحب النساء الرجال والثاني كما يحب المؤمن نبيه. وتعي أن لكل حب حقاً، وأن الله اصطفاها لأن تكون زوجة نبيه ﷺ فعليها أن تعينه بما تعين به النساء الأزواج وأعظم. فاعتادت أن تواسيه وتخفف عنه، حتى أنها لا تعرف همومه وآلامه فحسب بل تعرف مراتبها، فتعلم أن أشد يوم جاء عليه هو يوم أحد. وقد علمت أنه أتقى وأبر وأصدق الناس ومع ذلك ناله من الأذى في ذات الله ما لم ينله أحد، فأشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل. فمن فَرْطِ محبتها ومراعاتها أرادت أن تعلم بما فاتها من همومه وآلامه صلى الله عليه وسلم لما لم تكن معه، فأرادت أن تستدرك حتى هذا وتحنو عليه وتواسيه صلى الله عليه وسلم. كأنها تقول: إن كان ثمة ما آلمك يوماً أرني إياه سأداويه. ففطن النبي ﷺ لهذه المشاعر فتحبب إليها قائلاً : "لقد لقيت من قومك ما لقيت". وكنت أستغرب قديماً من قوله: «قومك» ولا أفهم لم قالها فهم قومه أيضا ﷺ فبدا لي الآن أن ذلك تحبب، وهي تعلم محبته لها فأراد أن يخفف عنها ليريها أن الأمر ما بلغ منه مبلغاً عظيماً وهم قومهما في النهاية. ثم حدثها بقصة نهايتها أنه عفا عنهم، وما أراد هلاكهم لعل الله يخرج من أصلابهم من يوحد الله عز وجل. وكأنه يقول لها أنه مهما وقعت عليه من شدة في ذات الله فإنه لا ينسى أنه رحمة للعالمين، ومعه الهدى والنور، وهو الذي وعظها يوماً بالرفق لما رأى من غضبها على اليهود حمية له صلى الله عليه وسلم.