كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

=

المصدر
= وقال الذهبي في تاريخ الإسلام في حوادث عام 420: "وفيها: ورد كتاب محمود بن سبكتكين، وهو: "سلام على سيدنا ومولانا الإمام القادر بالله أمير المؤمنين، إن كتاب العبد صادر عن معسكره بظاهر الري غرة جمادى الآخرة. وقد أزال الله عن هذه البقع أيدي الظلمة، وطهرها من أيدي الباطنية الكفرة. وقد تناهت إلى الحضرة حقيقة الحال فيما قصر العبد عليه سعيه واجتهاده غزو أهل الكفر والضلال، وقمع من نبغ بخراسان من الفئة الباطنية. وكانت الري مخصوصة بالتجائهم إليها، وإعلانهم بالدعاء إلى كفرهم فيها، يختلطون بالمعتزلة والرافضة، ويتجاهرون بشتم الصحابة، ويسرون الكفر ومذهب الإباحة. وكان زعيمهم رستم بن علي الديلمي. فعطف العبد بالعساكر فطلع بجرجان، وتوقف بها إلى انصراف الشتاء. ثم سار إلى دامغان، ووجه غالب الحاجب في مقدمة العسكر، فبرز رستم على حكم الاستسلام والاضطرار، فقبض عليه وعلى رؤوس الباطنية من قواده، وخرج الديالمة معترفين بذنوبهم، شاهدين بالكفر والرفض على نفوسهم، فرجع إلى الفقهاء في تعرف أحوالهم، فأفتوا بأنهم خارجون عن الطاعة، داخلون في أهل الفساد، يجب عليهم القتل والقطع والنفي على مراتب جنايتهم إن لم يكونوا من أهل الإلحاد. فكيف واعتقادهم لا يخلوا من التشيع والرفض والباطن. وذكر هؤلاء الفقهاء أن أكثر هؤلاء القوم يصلون ولا يزكون، ولا يعترفون بشرائط الدين، ويجاهرون بالقذف وشتم الصحابة. والأمثل منهم معتقد مذهب الاعتزال، والباطنية منهم لا يؤمنون بالله واليوم الآخر. وحكموا -يعني الفقهاء- بأن رستم بن علي في حباله خمسون امرأة من الحرائر، ولدن له ثلاثة وثلاثين نفسا. وحول رأيته إلى خراسان، فانضم إليه أعيان المعتزلة والرافضة. ثم نظر فيما احتجبه رستم، فعثر من الجواهر على ما قيمته خمسمائة ألف دينار". أقول: الباطنية هؤلاء فئة من الملاحدة يدَّعون الإسلام ويبطنون الكفر المحض ويستحلون الفروج المحرمة ويتركون الفرائض، يبدأون أمرهم مع الرافضة والمعتزلة وينتهون للإلحاد الصريح، وكانوا قوة عظيمة في ذلك الوقت، وأشبه الناس بهم في زماننا الذين يسمون بالعالمانيين والتنويريين. قال ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية: "لكن ذكر بعض المصنفين من النفاة أيضًا أنهما تناظرا بحضرة ولي السلطان محمود بن سبكتكين وكان من أحسن ملوك أهل المشرق إسلامًا وعقلًا ودينًا وجهادًا وملكًا في آخر المائة الرابعة وكانت ملوك في خلافة القادر وكانت قد انتشرت إذ ذاك دعوة الملاحدة المنافقين الذين كانوا إذ ذاك بمصر". إلى أن قال الشيخ: "واعتمد السلطان محمود بن سبكتكين في مملكته نحو هذا وزاد عليه بأن أمر بلعنة أهل البدع على المنابر فلُعِنت الجهمية والرافضة والحرورية والمعتزلة والقدرية ولُعِنت أيضًا الأشعرية حتى جرى بسبب ذلك نزاع". وقال محمد الطاهر بن عاشور في مقالته عن المجددين: "فظهر السلطان محمود بن سُبُكْتُكِين الغزنوي يمين الدولة، وصار إليه الملك بغزنة سنة 388 هـ، وكان من أشد الثوار المتغلبين على الدولة العباسية، ومسّ بحروبه سائر الممالك التي استبدت على الدولة العباسية. كان محمود بن سُبُكتكين بَدَا له في سنة 392 هـ أن يأتي عملًا يكون كفارة عما فرط منه في ابتداء تأسيس سلطانه من قتال المسلمين؛ فصمم العزمَ على أن يفتح للإسلام بلادَ الهند، فأخذ يستعد لغزو الهند، وهجم على تخومها، وكان يفتح البلاد، ويحمل أهلها على الإسلام. وكانت الحربُ سجالًا، والهدنة تعقب قتالًا، وكان ملوك الهند كلما أحسوا بانصراف يمين الدولة عنهم نقضوا طاعتَه وكفروا، إلى سنة 406 هـ[حينما] غزا الهندَ غزوتَه الفاصلة، فجهَّز جيشًا عظيمًا، فابتدأ بغزو بلاد الأفغان، ثم اخترق بلادَ الهند وعبر نهر الكنك، وأوقع ببلاد الهند وقائعَ عظيمة. فلما رأى ملوكُ الهند أن لا قِبل لهم بمقاومته، اجتمعوا على أن يراسلوه في الصلح، وبذلوا الطاعةَ له، فتم له استصفاء بلاد الهند في سنَتَيْ 409 و 410 هـ، وصارت بلاد إسلام. واعلم أن يمينَ الدولة محمودًا لم يكن في أعماله خِلْوًا عن إرشاد علماء الشريعة؛ فقد كان من أكبر مرشديه الإمام الجليل الأستاذ أبو حامد الإسفراييني أحمد بن أبي طاهر الفقيه الشافعي المتوفَّى سنة 406 هـ، وهو الذي توسط لدى الخليفة القادر بالله في ولايته كورة خراسان وما إليها، وتلقيبه يمين الدولة. وقد جاء في التقليد الذي صدر له من دار الخلافة هذه الفقرة: «وليناك كورة خراسان، ولقبناك يمين الدولة بشفاعة أبي حامد الإسفراييني»". فعدَّ ابنُ عاشور محمودًا الغزنوي مُجدِّدًا في باب الجهاد، وهذا نوع إنصاف منه إذ أنه أشعري، وحتى أبو حامد الإسفراييني الذي ذكره كان منافرًا للقوم شديدًا على الباقلاني كما ذكر ذلك ابن تيمية في درء التعارض. ويُلاحَظ أنه مع عظيم إنجازه العسكري وانشغاله بأمور المسلمين في كل مكان ما ترك البحث العقدي ولا تساهل فيه البتة ولا افترض التزاحم بينه وبين غيره مع أن البلاء في ذلك كان عظيمًا. أكفر من عبد الرحمن! قال ابن سعد في الطبقات 1643- داود بن عبد الرحمن العطار. قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن الوليد الأزرقي المكي قال: كان عبد الرحمن أبو داود العطار نصرانيا. وكان رجلا من أهل الشام. وكان يتطبب. فقدم مكة فنزلها وولد له بها أولاد فأسلموا. وكان يعلمهم الكتاب والقرآن والفقه. ووالى آل جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف. وولد داود بن عبد الرحمن سنة المائة. وكان أبوه عبد الرحمن يجلس في أصل منارة المسجد الحرام من قبل الصفا. فكان يضرب به المثل يقال: أكفر من عبد الرحمن. لقربه من الأذان والمسجد ولحال ولده وإسلامهم. وكان يسلمهم في الأعمال السرية ويحثهم على الأدب ولزوم أهل الخير من المسلمين. وهلك داود بن عبد الرحمن بمكة سنة أربع وسبعين ومائة. وكان كثير الحديث. أقول: هذا خبر صحيح فالأرزقي ثقة وهو من تلاميذ داود، وداود من شيوخ الشافعي. وأظن أن والده غيّر اسمه إلى عبد الرحمن ولم يكن اسمه عبد الرحمن أصالة، فالنصارى لا يسمون عبد الرحمن إلا أن يكون والد والده تأثر بالمسلمين فسمى ابنه عبد الرحمن. تأمل هذا الرجل مع كونه يكن المودة للمسلمين وأولاده مسلمون وكان يحث أولاده على لزوم أهل الخير من المسلمين، إلا أن الناس بفطرتهم السليمة كانوا يعدونه أكفر من غيره لقربه من مواطن الحجة ومعرفة فضل أهل الإسلام وعدم اتباعه لهم، ولو كان في زماننا لصنفوه من (معتدلي النصارى) ولَفضله بعضهم على بعض المسلمين. واليوم تجد الرجل يقضي عمره في التعطيل والقبورية والدعوة إليهما غير أنه يذكر عدداً من أئمة أهل الحديث بخير، ويظهر احترامهم، ويظهر أنه نظر في مؤلفاتهم ورأى حججهم، فتجد أقواماً يتسارعون إلى تعظيمه ويغفلون عن كون هذا السلوك يدل على أنه رأى الحجج وفهمها وفهم قوتها. وتجد الرجل من المعطلة يتكلم بالكفر، ويقضي عمره في العلم، ويقول باعتقادات تخالف الفطرة والعقل وظواهر النصوص المتظافرة وتخالف عقيدة إمام مذهبه الفقهي بل وعقيدة إمام مذهبه الكلامي، ثم لا يُعَدُّ أي شيء من هذه قرائن على اتباعه للهوى ولا يُنقِص ذلك من قدره شيئاً عند من يعظمه. بل يُعامَل معاملة أئمة أهل السنة وليس عوامهم، فتأمل الفرق بين عقول أهل القرون الأولى وعقول أهل هذا الزمان. ما الذي أراده اللالكائي بقوله (القرآن صفة قديمة)؟ حين يقول المتكلم هذا (قديم) فهو يريد أنه لا بداية له، والقديم في لغة العرب يطلق على المتقدم على غيره وإن كان له بداية قال تعالى: {حتى عاد كالعرجون القديم} قال الطبري في تفسيره: "حتى عاد كالعرجون القديم؛ والعرجون: من العذق من الموضع النابت في النخلة إلى موضع الشماريخ؛ وإنما شبهه جل ثناؤه بالعرجون القديم والقديم هو اليابس لأن ذلك من العذق، لا يكاد يوجد إلا متقوسا منحنيا إذا قدم ويبس، ولا يكاد أن يصاب مستويا معتدلا". ومن أهل الحديث من كان يطلق (قديم) ولا يريد المعنى الكلامي وإنما معنى المتقدم على الخلق وليس مخلوقاً (ألا له الخلق والأمر) ففرق بين الخلق والأمر. قال ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى (13/ 132): "فلهذا اتفقوا على أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق ولم نعرف عن أحد من السلف أنه قال: هو قديم لم يزل. والذين قالوا من المتأخرين: هو قديم كثير منهم من لم يتصور المراد؛ بل منهم من يقول: هو قديم في علمه ومنهم من يقول: قديم أي متقدم الوجود متقدم على ذات زمان المبعث؛ لا أنه أزلي لم يزل ومنهم من يقول بل مرادنا بقديم أنه غير مخلوق وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع". فالشيخ يقول أن بعض متأخري أهل الحديث أطلقوا قديم ولم يريدوا المعنى الكلامي أنه ما لا بداية له وهو أزلي، بل أرادوا أنه في علمه أو متقدم الوجود على الخلق وهو غير الخلق. ومن أمثلة كلام الشيخ ما قال اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة: "سياق ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم مما يدل على أن القرآن من صفات الله القديمة وحكي عن آدم وموسى عليهما السلام كذلك". هنا أطلق القدم فانظر الأخبار التي استدل بها والتي توضح ما الذي قصده. قال اللالكائي 367 - أخبرنا عيسى بن علي قال: أخبرنا عبد الله بن محمد البغوي قال: حدثنا هدبة بن خالد قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار قال: سمعت أبا هريرة يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لقي آدم موسى فقال موسى لآدم: أنت الذي خلقك الله بيده، وأسكنك جنته، وأسجد لك ملائكته، فعلت ما فعلت وأخرجت ذريتك من الجنة؟ قال آدم لموسى: أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وكلامه وآتاك التوراة، أنا أقدم أو الذكر؟ [ص:251] قال: بل الذكر. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فحج آدم موسى. 368 - أخبرنا عبيد الله بن أحمد بن علي قال: حدثنا حمزة بن القاسم بن عبد العزيز قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن منصور قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر قال: حدثنا إبراهيم بن المهاجر بن مسمار قال: حدثني عمر بن حفص مولى الحرقة،عن أبي هرير. 369 - وأخبرنا علي بن محمد بن أحمد بن بكران قال: أخبرنا الحسن بن محمد بن عثمان قال: حدثنا يعقوب بن سفيان قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر قال: حدثني إبراهيم بن المهاجر بن مسمار , عن عمر بن حفص بن ذكوان مولى الحرقة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله قرأ طه ويس قبل أن يخلق آدم بألف عام». وفي حديث عبد الرحمن بن منصور «أو ألفي عام». قال: "فلما سمعت الملائكة القرآن قالوا: طوبى لأمة ينزل عليها هذا". وفي حديث عبد الرحمن: «لأمة ينزل هذا عليها , وطوبى لأجواف تحمل هذا , وطوبى للسان أو لإنسان تكلم بهذا» . ولفظ عبد الرحمن: وطوبى لألسن تكلم بهذا , وطوبى لأجواف تحمل هذا. أقول: إيراده لخبر (إن الله قرأ طه ويس قبل أن يخلق آدم بألف عام) وهو خبر لا يصح يدل على أنه لم يرد المعنى الكلامي لكلمة قديم وهو أن القرآن لا بداية له بل أراد أنه متقدم على غيره. فقوله (بألف عام) يدل على أن الكلام صفة اختيارية وأن كلامه بالسورة له بداية ونهاية، فإنما ينضبط زمان ماله بداية ونهاية، لا القديم بالمعنى الكلامي فلا يقال (الله علم بالأمر الفلاني قبل الأمر الفلاني بألف سنة، أو قدر على الأمر الفلاني قبل الأمر الفلاني بألف سنة، ولكن يقال تكلم بكذا وكذا قبل كلامه بكذا وكذا ففرق بين هذه الصفات) وكذلك قول آدم (أنا أقدم أم الذكر) يريد بالذكر التوراة فقد كتبت قبل الخلق كما ورد في بعض روايات الخبر أن الله كتب التوراة قبل أن يخلق الخلق بأربعين سنة. والكلابية ومن تبعهم إذا قالوا (قديم) يريدون المعنى الكلامي والذي لا بداية له ولا نهاية، ولهذا يلتزمون أن القرآن الذي بين أيدينا ليس هو كلام الله لأن القرآن الذي بين أيدينا له بداية ونهاية، والكلابية والأشعرية شيء واحد في هذا الباب. ومن تأثر بهم ينفر من كلمة (متى شاء) ويقولون تشعر بالزمنية فما يصنعون بالأخبار التي تنص على زمن الفعل كالذي أورده اللالكائي، ولفهم أبعاد هذه القضية وعلاقتها بالرد على الملاحدة اسمع صوتية (فاعل فعل مفعول).