كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

=

المصدر
= فإذا كان الأمر كذلك فالمسألة ما صارت أصلًا إلا لأن أدلتها عديدة ومتنوعة بِمَا يورث درجة من درجات القطع بمجموعه يعرفه العالم والمنصف، وقد تخفى المسألة في حق بعض الناس ولكنها لا تخفى في حق عامتهم وإنما قد يصدهم الهوى، ولهذا فالعلة التي يتشكَّكون في الآحاد الصحيحة من أجلها وهي كونها لا تفيد إلا الظن غير متوفرة هنا، خصوصًا مع انعدام المعارض المكافئ أو حتى المقارب وضعف الاشتباه، ولو كان ذلك موجودًا لصارت فرعًا. ولذا عامة المسائل العقدية التي تجد الأئمة يذكرونها في كتبهم تكون من هذا الضرب: مسائل اجتمع فيها ظهور الأدلة وشذوذ المخالفين وكونهم من أهل الأهواء في مسائل أخرى أظهر، هذا في الغالب. ولهذا يوجد في مسائل الصفات ظاهر وفي مسائل القدر كذلك، حتى أنه يوجد قدرية متفَق على تكفيرهم وقدرية فيهم خلاف، وفي مسائل الإيمان لذا يوجد مرجئة غير مكفَّرين وآخرون غلاةٌ العامةُ على تكفيرهم. وقد نبه على هذا المعنى ابن تيمية حيث قال كما في مجموع الفتاوى (٦/٥٦): «وأما جمهور الفقهاء المحققين والصوفية فعندهم أن الأعمال أهم وآكد من مسائل الأقوال المتنازع فيها؛ فإن الفقهاء كلامهم إنما هو فيها وكثيرًا ما يكرهون الكلام في كل مسألة ليس فيها عمل كما يقوله مالك وغيره من أهل المدينة، بل الحق أن الجليل من كل واحد من الصنفين "مسائل أصول" والدقيق "مسائل فروع"». ولا شك أن المسألة كلما كانت حاجة الناس إليها أعظم كانت أدلة النصوص فيها أعظم، ولهذا عامة ما يراه المتكلمون أصل الأصول هو فعلًا أصول في كلام السلف لظهور أدلته في النصوص وكون غيره يُبنى عليه، لهذا اعترف عدد منهم بكثرة النصوص التي ظاهرها تشبيه على أصولهم، ولكنهم غلطوا في الإلحاق وعدم التفريق بين مراتب المسائل ومراتب المخالفين، وهذا أصل يجتمع عليه غلاتهم وجفاتهم ومن يقلدهم من المنتسبين للسلفية غلاة وجفاة، وكذلك غلطوا في إخراج مسائل عملية أدلتها ظاهرة من مسائل الأصول، وهذا أحد أهم أسباب استشكال عدد من المتأخرين كلام المتقدمين في أهل الرأي.