تساؤلات حول الديمقراطية الأمريكية!
تساؤلات حول الديمقراطية الأمريكية!
بِمَا أننا في أجواء الانتخابات الأمريكية وتلك الطعونات التي يوجِّهُها الرئيس الأمريكي لنزاهة العملية الديمقراطية عندهم.
وهي ليست الأولى من نوعها، إن شئت فاقرأ كتاب "أفضل ديمقراطية يستطيع المال شراءها" لـ غريغ بالاست.
غير أن السؤال هنا: هل هذا هو وجه الطعن الوحيد؟
ألا تجد من المستغرب أن شعبًا يُقدَّر تعداده بمئات الملايين يَحتكِر فيه السلطة بكل درجاتها حزبان فقط؟
بينما نجد أنه في العراق بعد صدام حسين في ظل الاحتلال الأمريكي تكوَّن (١٦٨) حزبًا، وكانوا يتنافسون على السلطة، والآن تقلَّص العدد ولكنه لا زال كبيرًا.
وجدتُ بعض المقالات باللغة العربية تُعلِّل هذا الاحتكار من حزبين فقط (وبمرشحين كهلين) بالتالي: و"حكم الحزبين" في الولايات المتحدة غير مؤسس له في الدستور، لكنه نتاج طبيعي للنظام الانتخابي، القائم على قاعدة "الفائز يحصد جميع مقاعد" الدائرة الانتخابية، كما هو الحال في الاقتراع البرلماني، أو رصيد الولاية في المجمع الانتخابي، كما في المنافسة على الرئاسة.
وهذا في الواقع ليس جوابًا، فلماذا لا يوجد مرشح مستقل؟
ولماذا نظام الانتخابات عندهم بُني على تقليص الأحزاب؟ ولماذا لا يوجد على الأقل حزب ثالث؟ أو يسقط أحد هذين الحزبين ليحل محله ثالث؟ هذا ليس جوابًا وإنما هو شرح للآلية المتبَعة في تقوية الحزبين، ولكنه لا يشرح لماذا هما دون غيرهما؟ ولماذا اثنان فقط؟
وجدتُ مقالًا للمدون الأمريكي باتريك كيدل يتكلم فيه عن هذه الظاهرة، وقد كتبه أيام انتخابات ترامب وهيلاري، وهو بعنوان: لا يمكن أن يكون المستقلُّ رئيسًا. هذا هو السبب الحقيقي.
واستند على استطلاعات تُبيِّن أن معظم الشعب الأمريكي لا ينتمي للحزبين الجمهوري أو الديمقراطي.
ثم إنه زعم أن احتكار هذا الأمر في حزبين هو عمل "لجنة المناقشات الرئاسية"، وهي مؤسسة غير منتخبة (كما نصَّ هو على ذلك)، ولكنها مؤثرة وتستبعد المرشحين المستقلين.
ودعم وجهة نظره بتصريحات بعض المسئولين فيها، فذكر كلام السيناتور الجمهوري السابق آلان سمبسون حين كان مفوضًا: "إذا كنت تحب نظام التعددية الحزبية فانتقل إلى سيرلانكا والهند وإندونيسيا".
أعلم أن هذا التصريح صادم لدعاة الديمقراطية في بلادنا إذا علموا أن النموذج الذي يحلمون به ليس هو النموذج الأمريكي، بل النموذج السريلانكي أو الإندونيسي (وهو اختار هذه النماذج من باب الاحتقار).
وقد ذكر الكاتب في مقاله أن هناك تجمُّعًا ضم 49 من القادة السياسيين والعسكريين والشركات والأكاديميين البارزين الذين تجمعوا معًا باسم Change The Rule، داعين إلى معايير أكثر منطقية لتمكين طرف ثالث مهم أو مرشح مستقل.
ومع ذلك تم الاحتيال عليهم ولم يتم أي شيء، إذن هناك وعي بالمشكلة داخل المجتمع الأمريكي نفسه.
لا أريد الاستطراد في شرح فكرة الكاتب فمن أرادها فليُراجع المقال بالإنجليزية، وحقًّا الأمر محيِّر، وقد يكون هو سبب عزوف الملايين عن العملية الانتخابية في الولايات المتحدة.
غير أنه إذا صدقت اتهاماته فالنموذج الديمقراطي في الدولة الأكبر والأنجح في عيون مؤيدي هذا النظام قد تم الاحتيال عليه وصار لا يمثل إرادة الشعب من خلال تسلُّط مؤسسة غير منتخبة أصلًا، وهذا استبداد أسوأ من كل أنواع الاستبداد التي لا تستَتِر تحت اسم الديمقراطية والتعددية وغير ذلك من الأماني، وهذا يضعنا أمام سؤال إمكانية وجود نظام ديمقراطي حقيقي ناجح في إمبراطورية عظيمة، ذلك الاحتكار يُعلِّلونه بأنه أبعد عن الفوضى! وهذا هو التعليل المعتاد في أي نظام استبدادي (وأنا هنا أتكلم بلسان القوم ليفهموا).
وتلاحظ أن دولًا كثيرة مثل الهند والفلبين وسيرلانكا وغيرها فيها ديمقراطيات أكثر صدقًا من تلك التي في الولايات المتحدة، ومع ذلك فلم تصل إلى ما وصلت إليه، وذلك أن الأمر ليس نظامًا سياسيًّا فحسب، بل عوامل كثيرة جغرافية وديمغرافية وتاريخية وغيرها وغيرها.. والنظام السياسي الذي يكون هنا أمثل قد يكون هناك ضارًا أو غير فعَّال بحسب الظروف، وهذا كله في سياق الدولة الحديثة، وأما الدولة القديمة فباب آخر، وكثير من المفكرين السطحيين يعتبرون النموذج الغربي الأمريكي مثاليًّا في كل زمان ومكان، ويحاكِمون التاريخ الإسلامي على هذا الأساس، وهذه سطحية وطفولية بالغة وعدم فهم للتاريخ والواقع معًا.