قال ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل (7/153) : قال أبو البقاء العكبري لمن قرأ
قال ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل (7/153) : قال أبو البقاء العكبري لمن قرأ عليه كتاب البرهان هذا النقل ليس بصحيح عن مذهب الإمام أحمد وهو كما قال فإن أحمد لم ينه عن نظر في دليل عقلي صحيح يفضي إلى المطلوب بل في كلامه في أصول الدين في الرد على الجهمية وغيرهم من الاحتجاج بالأدلة العقلية على فساد قول المخالفين للسنة ما هو معروف في كتبه وعند أصحابه
ولكن أحمد ذم من الكلام البدعي ما ذمه سائر الأئمة وهو الكلام المخالف للكتاب والسنة والكلام في الله ودينه بغير علم
واستدل أحمد بقوله تعالى { قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } سورة الأعراف 33
وأحمد أشهر وأكثر كلاما في أصول الدين بالأدلة القطعية نقلها وعقلها من سائر الأئمة لأنه ابتلي بمخالفي السنة فاحتاج إلى ذلك والموجود في كلامه من الاحتجاج بالأدلة العقلية على ما يوافق السنة لم يوجد مثله في كلام سائر الأئمة ولكن قياس التمثيل في حق الله تعالى لم يسلكه أحمد لم يسلك فيه إلا قياس الأولى وهو الذي جاء به الكتاب والسنة فإن الله لا يماثل غيره في شيء من الأشياء حتى يتساويا في حكم القياس بل هو سبحانه أحق بكل حمد وأبعد عن كل ذم فما كان من صفات الكمال المحضة التي لا نقص فيها بوجه من الوجوه فهو أحق به من كل ما سواه وما كان من صفات النقص فهو أحق بتنزيهه عنه من كل ما سواه
والقرآن لما بين قدرته على إعادة الخلق بفعله لما هو أبلغ من ذلك كان هذا من باب قياس الأولى وكذلك بين تنزيهه عن الولد والشريك وكذلك أحمد سلك هذا المسلك كما ذكر في موضعه مثل بيانه لإمكان كونه عالما بجميع المخلوقات مع كونه بائنا عن العالم فوق العرش بقياسين عقليين أحدهما أن الإنسان قد يكون معه قدح صاف فيرى ما فيه مع مباينته له فالرب سبحانه قدرته على العالم ومباينته له أعظم من قدرة هذا على ما في يديه فلا تمتنع رؤيته لما فيه وإحاطته به مع مباينته له
والقياس الثاني من بنى دارا وخرج منها فهو يعلم ما فيها لكونه فعلها وإن لم يكن فيها فالرب الذي خلق كل شيء وأبدعه هو أحق بأن يعلم ما خلق وهو اللطيف الخبير وإن لم يكن حالا في المخلوقات
والمقصود أن أحمد يستدل بالأدلة العقلية على المطالب الإلهية إذا كانت صحيحة إنما يذم ما خالف الكتاب والسنة أو الكلام بلا علم والكلام المبتدع في الدين كقوله في رسالته إلى المتوكل لا أحب الكلام في هذا إلا ما كان في كتاب الله أو حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو الصحابة أو التابعين فأما غير ذلك فإن الكلام فيه غير محمود
وهو لا يكره إذا عرف معاني الكتاب والسنة أن يعبر عنها بعبارات أخرى إذا احتيج إلى ذلك بل هو قد فعل ذلك بل يكره المعاني المبتدعة في هذا أي فيما خاض الناس فيه من الكلام في القرآن والرؤية والقدر والصفات إلا بما يوافق الكتاب والسنة وآثار الصحابة والتابعين
ولهذا كره الكلام في الجسم وفي الحيز وفي اللفظ بالقرآن نفيا وإثباتا لما في كل من النفي والإثبات من باطل وكلامه في هذه الأمور مبسوط في موضع آخر كما هو معروف في كتابه وخطابه
والمذموم شرعا ما ذمه الله ورسوله كالجدل بالباطل والجدل بغير علم والجدل في الحق بعد ما تبين
فاما المجادلة الشرعية كالتي ذكرها الله تعالى عن الأنبياء عليهم السلام وأمر بها في مثل قوله تعالى { قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا } سورة هود 32
وقوله { وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه } سورة الأنعام 83 وقوله تعالى { ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه } سورة البقرة 258 وقوله تعالى { وجادلهم بالتي هي أحسن } سورة النحل 125
=