كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

ما رفعه الله لا يخفضه بشر

المصدر
ما رفعه الله لا يخفضه بشر قال ابن العديم في بغية الطلب في تاريخ حلب (5/2055) : "أنبأنا أبو اليمن الكندي، عن أبي بكر محمد بن عبد الباقي الأنصاري، قال أخبرنا الحسن بن علي الجوهري، قال: أخبرنا محمد بن العباس، قال: أخبرنا أحمد بن معروف، قال: حدثنا الحسين بن فهم، قال: حدثنا محمد بن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني ابن أبي ذئب، عن اسحاق بن يزيد، قال: رأيت أنس ابن مالك مختوما في عنقه، ختمة الحجاج أراد أن يذله بذلك، قال محمد بن عمر: وقد فعل ذلك بغير واحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يريد أن يذلهم بذلك، وقد مضت العزة لهم بصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم". أقول: بغض النظر عن صحة الرواية فإن الواقدي متهم فقد أعجبتني كلمته (وقد مضت العزة لهم بصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم). وذكرتني بروايتين: الأولى: ما روى أنس بن مالك نفسه -كما في صحيح البخاري وغيره- : "كان للنبي صلى الله عليه وسلم ناقة -قال: وحدثني محمد: أخبرنا الفزاري، وأبو خالد الأحمر، عن حميد الطويل، عن أنس، قال: كانت ناقة لرسول الله صلى الله عليه وسلم تسمى: العضباء، وكانت لا تسبق، فجاء أعرابي على قعود له فسبقها، فاشتد ذلك على المسلمين، وقالوا: سبقت العضباء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن حقا على الله أن لا يرفع شيئا من الدنيا إلا وضعه»". تأمل قوله (يرفع شيئا من الدنيا) هذا له مفهوم، أي ما رفع من أمر الدين لا يخفضه بشر، إلا أن يستغني المرء عن دينه. فكثير من الناس لا يعلمون أن العزة الدينية لا تزول بذلٍّ دنيوي، فكونك موحِّداً لله عز وجل لا تسجد إلا له، ولا تعبد إلا إياه، وأنت وحدك صاحب الاعتقاد المبرهن وغيرك في شك وتخبط وعناد، فلو كانت الدنيا كلها بيد كافر فأنت في عزة التوحيد. وليس معنى هذا ألَّا تطلب ما شُرع لك من قوة وخير وتمكين، إن توفرت أسبابه، ولكن تكون نيتك في ذلك أن في هذا مزيد هداية للخلق. وإن لم يتحصل لك هذا فلا تحقرن نفسك، فاليوم مما ضيع كثيرين وأدخلهم في خطاب (جلد الذات)؛خلطهم بين العزة الدنيوية والعزة الدينية، فرأوا ذهاب العزة الدنيوية ذهابا للعزة الدينية، حتى انسلخ بعضهم عن دينه، مع ما يقع لكثير منهم من التوهم، فيتصور الكفار على أحوال من الكمال هي غير حقيقية، ويكون هو في عافية ويغبطهم على ما هم فيه من البلاء؛ وذلك بسبب الجهل والميل للشهوات، والتأثر بالإعلام الفاسد. وهذا المعنى الذي أشار إليه الواقدي فكأنه يقول: ما رفع الله لا يخفضه الحجاج، ولا كل ملوك الدنيا. الثانية: في تفسير قوله تعالى: {لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم}. قال الطبري في تفسيره: "16309- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري، عن شريك، عن سالم، عن سعيد: (لولا كتاب من الله سبق)، قال: لأهل بدر، من السعادة". سعيد هو ابن جبير، وهذه الآية شاهد لحديث تبشير أهل بدر بالجنة (اعملوا ما شئتم قد غفرت لكم). قال الطحاوي في بيان مشكل الآثار [٣/ ٢١]: "وذكر ما حدثنا بكار بن قتيبة ويزيد بن سنان قالا: حدثنا أبو داود الطيالسي حدثنا شعبة عن أبي بشر، عن يوسف بن سعد عن محمد بن حاطب قال: سمعت عليا رضي الله عنه يخطب، وتلا هذه الآية: {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى}. الآية، قال: نزلت في عثمان وأصحابه أو قال: عثمان منهم". أقول: يقصد علي أنها في أهل بدر، وقد تخلف عثمان لعذر فكان كمن شهد، وتأمل (سبقت) و (كتاب من الله سبق)، ومن أهل بدر طلحة والزبير.