كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

تنبيه دقيق لابن تيمية حول ممارسات القبورية المركبة..

المصدر
تنبيه دقيق لابن تيمية حول ممارسات القبورية المركبة.. من ينظر إلى ممارسات متأخري الصوفية ممن ابتلوا بتعظيم القبور يجدها مركبة من عدة أمور، فتجدهم يستغيثون بالموتى ويتوسلون بهم ويتبركون بقبورهم ويشدون الرحال إليها ويبنون القبور عليها ويدعون الله عندها رجاء البركة.. كل واحدة من هذه تحتاج إلى أدلة مستقلة ولا تجد عالمًا أباحها كلها أو حتى معظمها (هذا في الخلف، أما السلف فما أيسر ما تجد عن بعضهم إنكارها كلها أو إنكار بعضها مع السكوت عن إباحة البعض الآخر لعدم حضوره في عصره وإنكاره لما هو دونه بكثير، ويوجد في الخلف من سلك طريق هؤلاء ولكن الحق في زمن السلف أظهر). ولكنهم يأتون بكلام لبعض المشاهير في إباحة بعض هذه الممارسات ويشتدون على خصومهم وينعتونهم بالتشدد والجرأة على تبديع وتكفير المسلمين، مع أن هؤلاء المشاهير أنفسهم تجد لهم كلامًا في ذم بقية ممارساتهم لا يختلف عن كلام من يسمونهم وهابية! وقد وجدت شيخ الإسلام ألفت إلى هذا لمَّا شنعوا عليه في فتيا شد الرحال إلى القبور، فقد امتُحِن الشيخ في هذه القضية وكثر سؤاله عنها لأن الأمر دخله تشويه الخصوم. وكان ينبه دائمًا على أنه نقل قولين ورجَّح أحدهما وبيَّن أنه قول عامة السلف. قال ابن تيمية في رسالته إلى ابن النقيب المطبوعة ضمن جامع المسائل المجموعة التاسعة ص240: "وحزبٌ قالوا: إنه ليس بنهي، بل هو نفيٌ للوجوب بالنذر، أو نفيٌ للاستحباب. وهذا قول طائفةٍ من أصحاب الشافعي، كالشيخ أبي حامد، وأبي المعالي، ومن تبعهم. وهو قول أبي محمد المقدسي ونحوه من أصحاب الإمام أحمد، وقول ابن عبد البر وبعض متأخري المالكية. وأما مالكٌ وجمهور أصحابه، وقدماء أصحاب الإمام أحمد وجمهورهم، وطائفةٌ من أصحاب الشافعي، فيقولون: إنه نهيٌ. وحديث أبي سعيد صريحٌ في حجة هؤلاء. وأنا في جواب الفتيا التي لم يتَّسع فيها الكلام ذكرتُ القولين جميعًا، ولم أستقص الكلام فيها، بل بحسب حال السائل، وقد رجَّحتُ النهي، ولم أستوعب حججَ ترجيحه وأما القول باستحباب السفر إلى زيارة القبور، فما علمتُ به إذ ذاك قائلًا لأحكيه، وإلى الآن لم أعرف أحدًا صرح به، لكن قد قيل: إن بعض أصحاب الشافعي قال ذلك، ابن كَجٍّ أو غيره، فُيكْشَفُ في لفظ الرافعي في النذور". فهنا نبَّه الشيخ على أن مِن مخالفيه في المسألة ابن قدامة وابن عبد البر الذين يرون إباحة شد الرحل (ولا يرون الاستغاثة ولا التبرك وإنما شد الرحل للزيارة الشرعية). وانتبه الشيخ إلى أن خصومه قد يستطيلون عليه بذكر هذين المشهورين اللذين موافقتهما للشيخ في الاعتقاد أقوى من موافقة البقية. فقال في آخر الرسالة: "وابن عبد البر والشيخ الموفَّق وغيرهما من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم موافقون على أنه لا يجوز اتخاذ القبور مساجد. وقال الشافعي رضي الله عنه: أكره أن يُعَظَّم مخلوقٌ حتى يُتَّخَذ قبرُه مسجدًا؛ مخافة الفتنة عليه وعلى من بعده. وذكر الشيخ موفَّق الدين في مُغْنيه أنه يحرُم بناء المساجد على القبور، وأنه لو نذر أن يذبح بمكانٍ وعنده قبرٌ أو شجرةٌ أو عينٌ أو غير ذلك مما يُعَظَّم لم يجز الوفاء بنذره. وقد بسطتُ هذه المسائل في كتاب «اقتضاء الصراط المستقيم مخالفةَ أصحاب الجحيم»". وهذه التفاتة ذكية من الشيخ، حيث يقول لهم أن ابن عبد البر والموفق وإن قالوا بإباحة شد الرحل إلَّا أنهم يرون حرمة بناء المساجد على القبور والنذر لها، وعامة مخالفينا ممن يشنِّعون علينا يرون هذا فاشيًا في العامة فإما يسكتون عليه وإما يبيحونه ثم هم يشتدون علينا في مسألة فيها خلاف ووافقنا بعض أئمتهم. بل عامة من شنَّع على الشيخ قد شنَّع من أجل زيارة المشاهد التي هي قبور بُنيَت عليها قباب. وهذا مسلك جدلي دقيق ينبغي أن ينتبه له طالب العلم مع هؤلاء القوم فهم لا زالوا يمارسون الأسلوب نفسه، كما فعل بعضهم حين جاء بكلام ابن مفلح في التوسل، وابن مفلح في سياق الكلام نفسه ينبه على أن الاستغاثة بغير الله ممنوعة وهناك فرق بين التوسل والاستغاثة (فالتوسل كأن تقول يا رب بجاه فلان وهذا غايته البدعية، وأما الاستغاثة فأن تستغيث بالولي مباشرة ولا تذكر الله).