لقد فقد الغرب فضيلته
لقد فقد الغرب فضيلته
بهذه الكلمات بدأ بول كينغسنورث -روائي وكاتب مشهور- مقاله، ومقاله هذا عميق في الحديث عن المعضلة الأخلاقية التي يعيشها الغرب .
تحدث في بدايته عن تعريف الغرب فذكر أن الليبراليين إذا أطلقوا (الغرب) فهم يريدون التنوير والديمقراطية وحقوق الإنسان، وعليه فالتغريب هو نشر لهذه القيم.
وأما اليمين فإذا أطلقوا (الغرب) فهم يريدون مواقف تقليدية تجاه الأسرة والأخلاق، وربما الدعم الواسع للرأسمالية.
وأما اليسار ما بعد الحداثي فهؤلاء لا يوجد عندهم غرب أصلاً، فلا يوجد ثوابت ولكنهم مؤقتاً يعتبرون (الغرب) هو الاستعمار والعنصرية والامبراطورية الممتدة في دعايتهم المضادة تجاه اليمين (وهذا يشبه الإطلاق المشهور عند الإسلاميين).
وعلق على هذه التعريفات أنه لا تعارض بينها، وربما كلها معان صحيحة ولكنها تختصر الغرب في بعض صفاته، ولا بد من الرجوع لبداية الأمر حتى نعرف من هم الغرب؟
فالغرب على التحقيق مجموعة من البشر كانت أول مرة يجتمعون فيها ويتوحدون حين اعتنق الغرب المسيحية، جمعتهم قصة دينية موحدة (كتلك القصة التي جمعت العرب والفرس والأتراك والأكراد والبربر وغيرهم من الأعراق في الأمة الإسلامية فاكتسبوا صفة مشتركة).
واستشهد بمؤرخ القرون الوسطى كريستوفر داوسون في كتابه الدين وصعود الثقافة الغربية، الذي كتب بعد الحرب العالمية الثانية بقليل حيث قال: "لم يكن هناك أبدًا أي تنظيم موحد للثقافة الغربية بخلاف الكنيسة المسيحية".
ثم قال: "بعبارة أخرى، وُلد "الغرب" من رواية قصة مقدسة -حديقة، تفاحة، سقوط، فداء- شكلت كل جوانب الحياة: تنظيم أسبوع العمل؛ دورة العيد السنوي وأيام الراحة؛ دفع الضرائب؛ الواجبات الأخلاقية للأفراد؛ الموقف من الجيران والغرباء. التزامات الأعمال الخيرية؛ هيكل العائلات. والأهم من ذلك كله، الصورة الواسعة للكون - هيكله ومعناه، ومكاننا فيه".
ثم اختصر القصة بقوله (كان الغرب هو العالم المسيحي ولكن العالم المسيحي مات).
ثم أطال الكلام في أن القيم الغربية المشتركة استفيدت من المسيحية، ثم إن الغرب تنكر لمسيحيته فتاه في ما بعد الحداثة، وأنهم وقعوا فيما كانوا ينكرونه على الوثنيين والقبائل الأصلية.
ثم تحدث عن أنك إذا أزلت الرابطة التي ربطت الناس من الأساس فسعيك وراء تحقيق أي نجاح للمجتمع لا معنى له.
(هذا يذكرني بمثال دائماً أمثل به عن رجل معه عجين وأراد أن يخبزه ولم يكن عنده مال فباع العجين ليشتري التنور وبعدما صار التنور في حوزته فطن إلى أن العجين لم يعد موجوداً، وهكذا كل من ضيع أصوله العقدية في سبيل تحقيق رفاه أو نجاح لأفراد جمعتهم العقيدة ابتداءً).
وفي آخر مقاله أطلق هذه الكلمات: "ملأ الفراغ الناجم عن انهيار محرماتنا القديمة بالغاز السام للرأسمالية الاستهلاكية. لقد تسللت الآن إلى كل جانب من جوانب حياتنا بالطريقة التي فعلت بها القصة المسيحية ذات مرة، لدرجة أننا بالكاد نلاحظ أنها تستعمر كل شيء -من الطريقة التي نأكل بها إلى القيم التي نعلمها لأطفالنا. انطلقنا في حاضر ما بعد الحداثة- بدون مركز ولا حقيقة ولا اتجاه - لم نصبح مواطنين ديمقراطيين مستقلين في التفكير ومسؤولين في جمهورية بشرية. لقد أصبحنا عبيدا للذات ولسلطة المال؛ عبدة محطمة أمام صنم التقدم الوحشي. كتب سبنجلر: "في أخلاقيات الغرب، كل شيء هو اتجاه، ادعاء بالقوة، إرادة للتأثير على البعيد".
هذا الأمر الذي يتكلم عنه الكاتب لم أنقله لهجاء الغرب بل ليكون فيه عبرة لنا، إذ كثير من الناس كل هدفه في الحياة الوصول لما وصل إليه الغربيون، ولا يدري أن الأمر هو متاهة مظلمة يشك فيها المرء بكل قيمة وكل عقيدة ولا يدري من هو وإلى أين يسير.