أثران عجيبان في تاريخ دمشق
أثران عجيبان في تاريخ دمشق
أنهيت للتو الجزء رقم 61 من تاريخ دمشق لابن عساكر الشافعي الأشعري، وقد وجدت أثرين فيهما للأشعرية والصوفية الذين يعظمون هذا الرجل باعتبار أنه منهم، فسبحان من ألهمه رواية مثل هذا.
قال ابن عساكر في تاريخ دمشق (61/ 251): "قرأت بخط أبي الفتح سليم بن أيوب الفقيه، وأنبأنيه أبو القاسم النسيب عنه، أنا أبو العباس أحمد بن محمد بن الحسين البصير، أنا أبو محمد بن أبي حاتم، نا موسى بن يوسف أبو عوانة الكوفي، نا عبد الله بن ذكوان الدمشقي، نا مروان بن محمد يعني الطاطري، نا عبد الله بن وهب عن إبراهيم يعني ابن نشيط عن عمار بن سعد، قال: يكون في آخر هذه الأمة قوم يعظمون الله ويجلونه حتى يكفروا به وهم الجهمية".
وقال ابن عساكر في تاريخ دمشق (61/ 181): "أنبأنا أبو الوحش سبيع بن المسلم وأبو تراب حيدرة بن أحمد، قالا: نا أبو بكر الخطيب، أنا أبو الحسن محمد بن أحمد، أنا أحمد بن سندي، أنا الحسن بن علوية، أنا إسماعيل بن عيسى، أنا إسحاق، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، قال: مات موسى فلم يدر أحد من بني إسرائيل أين قبره وأين توجه، فماج الناس في أمره. فقال: ما نرى رسول الله رجع ورأوه حين خرج، فلبثوا بذلك ثلاثة أيام لا ينامون الليل يموج بعضهم في بعض، فلما كان بعد ثالثة غشيتهم سحابة على قدر محلة بني إسرائيل وسمعوا فيها مناديا ينادي يقول بأعلى صوته: مات موسى وأي نفس لا تموت، يكرر ذلك القول حتى فهمه الناس، فعلموا أنه قد مات فلم يعرف أحد من الخلائق أين قبره. قال: وأنا إسحاق عن محمد بن إسحاق يرفعه إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: ما اطلع أحد على قبر موسى إلا الرخمة فنزع الله عقلها لكي لا تدل عليه. قال: وأنا إسحاق، أنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، قال: لو علمت بنو إسرائيل قبر موسى وهارون لاتخذوهما إلهين من دون الله".
أقول: الأثر الأول يبدو أنه من كتاب ابن أبي حاتم "الرد على الجهمية" وهو كتاب مفقود، وفيه تنبيه حسن أن الجهمية يدعون التنزيه ولكن هذا التنزيه المزعوم أوقعهم في الكفر.
قال ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل (5/257): "ولهذا كان السلف والأئمة يتكلمون في تكفير الجهمية النفاة بما لا يتكلمون به في تكفير غيرهم من أهل الأهواء والبدع".
علماً أن الجهمية كانوا يرفعون شعار التنزيه من التشبيه، ويسمون أهل السنة مشبهة كما ذكر ذلك الترمذي، فلا فرق بين الجهمية الأولى ومتأخري الأشعرية في دعوى أنهم منزهة، ومع ذلك ما اعتبر السلف ذلك عذراً في الجهمية.
فمم تُنزه الله عز وجل؟
هل تنزهه عما وصف به نفسه؟ هل تنزهه عن كماله سبحانه وتعالى؟ كذا ادعى المشركون تنزيه الله عن أن يُعبد مباشرة أو يرسل رسلاً فعبدوا الأصنام وكفروا بالآخرة، وزعم الفلاسفة تنزيهه عن التعدد والكثرة فأنكروا كل صفاته.
واليوم تجد بعضهم يتكلم عن عقيدة وحدة الوجود فيزعم أن أصحابها ذابوا حباً في الله فتكلموا بهذا الكفر.
إذن القصد الحسن فيما يزعم لا يحمي من الكفر، فالربوبي الكافر يزعم تنزيه الله عن أن يعبده الخلق، وقد يشاهد المرء الرحمة فينكر عذاب جهنم فيكفر، أو يفهم العدل غلطاً فينكر القدر فيكفر.
فلا بد أن تنظر لجلال الله عز وجل وجماله وعامة صفاته، وهذا يأخذنا للتعليق على الأثر الذي بعده.
الأثر في متنه بحث ففي الحديث الصحيح أن قبر موسى معروف، وحدده النبي صلى الله عليه وسلم، وربما يكون النبي عرفه وغمي على بني إسرائيل، غير أن موطن الشاهد الذي أريد الوقوف عنده المروي عن الحسن من قوله: (لو علمت بنو إسرائيل قبر موسى وهارون لاتخذوهما إلهين من دون الله).
فهو هنا يعي أن الغلو بالأنبياء والصالحين هو من أهم أسباب الشرك، ويعضد هذا المعنى حديث لعن اليهود والنصارى لاتخاذهم قبور أنبيائهم مساجد، وحديث اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد، وصنيع الصحابة مع دانيال النبي حيث أخفوا قبره مع شواهد عديدة تدل على هذا المعنى.
من الناس من ينظر لباب تعظيم الأنبياء حتى يشرك بهم، وحتى تنحرف عقيدته في عصمة الأنبياء، فينكر أموراً ثابتة في النصوص تعظيماً لهم بزعمه.
فمن عظّم الله عز وجل من غير طريق الوحي انتهى به الأمر إلى التعطيل وتشبيهه بالعدم، والزعم أن كلامه ظاهره ما لا يليق به.
ومن عظّم الأنبياء والصالحين من غير طريق الوحي انتهى الأمر بهم إلى الشرك ومخالفة ما أرسل به الأنبياء، ونصب العداء لورثتهم بزعم تعظيمهم.