كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

موعظة المطر!

المصدر
موعظة المطر! لا أظن أحدًا من بني آدم لا تأخذه النشوة تارة والمهابة والسكينة تارة أخرى لرؤية المطر! أمر المطر مرتبط بغذاء بني آدم ودوابهم لِذا يفرح الناس به فرحًا كبيرًا. • غير أن في المطر موعظةً ودرسًا عقائديًّا عجيبًا.. فالعقيدة مبناها على الإلهيات. وفي المطر التنبيه على افتقار الكائنات لبعضها البعض، فالنبات يتغذى على المطر، والدواب تتغذى على النباتات هي وبنو آدم، وبنو آدم يتغذون على الدواب. وفي هذا الافتقار تنبيه على وحدانية رب العالمين، إذ كل ما دونه يفتقر بعضهم إلى بعض بعلاقة مُنّظمة، فدلَّ على أن الأمر ما كان عشوائيةً ولا كان من أحدهم، بل هو من خالقٍ متسامٍ وهو رب العالمين سبحانه. وهو الغني سبحانه، وكل ما سواه محتاج في بقائه إلى غيره، لِذا استدل على عدم ألوهية المسيح وأمه بأكلهما الطعام (كانا يأكلان الطعام)، فهما إذن لم يَخلقا الطعام إذ هما محتاجان إليه في البقاء، فكيف بقيا قبل وجوده حتى أوجداه، وما داما ليسا خالقَين فليسا مستحقَين للعبادة. والأصنام بابها أوضح، إذ احتاجت في وجودها لأناس ينحتونها. والباب الثاني من الأصول الكبار: باب المعاد. والمطر موعظة في ذلك إذ ينزل المطر من السماء فتحيا به الأرض الميتة. والباب الثالث: النبوات: والمطر من السماء والوحي تنزل به الملائكة من السماء (وروي في بعض الآثار أن مع كل قطرة مطر ملك)، والمطر تحيا به الأرض والوحي تحيا به القلوب، والمطر معه رعد وبرق والوحي معه أحكام شديدة ترهب أهل النفاق ومآلها خير لو عقلوا، وبين يدي المطر رياح تبشر به وبين يدي نبوة نبينا بشارات وإرهاصات مذكورة في السيرة. بعد هذا كله تأمَّل معي قوله تعالى: "وهو الذي أرسل الرياح بُشْرًا بين يدي رحمته وأنزلنا من السماء ماءً طهورًا * لنحيي به بلدة مَيْتًا ونُسقيَه مما خلقنا أنعامًا وأناسيَّ كثيرًا * ولقد صرَّفناه بينهم ليذَّكَّروا فأبى أكثر الناس إلا كفورًا". في قوله "ونُسقيَه مما خلقنا أنعامًا وأناسيَّ كثيرًا" تنبيه على معنى الافتقار والتكامل بين المخلوقات الدالِّ على وحدانية رب العالمين وحكمته وأنه ما ترك خلقه هملًا وما كان ليُنعم عليهم بِمَا يقيم أبدانهم ويتركهم دون ما يقيم علاقتهم معه وأخلاقهم، فهذا يدل على النبوات أيضًا. وقوله: "لنحيي به بلدة مَيْتًا" إشارة إلى البعث. وتأمل بعدها قوله: "ولقد صرَّفناه بينهم ليذَّكَّروا فأبى أكثر الناس إلا كفورًا" وما فيه من توكيد ما شرحت لك أن في المطر موعظة وذكرى تُثبِّت أصول الإيمان الكبرى فغفل عنها أكثر الناس! وقد ورد في الحديث تشبيه الوحي بالمطر كما في حديث أبي موسى الأشعري في الصحيح: "إِنَّ مَثَل مَا بعَثني اللهُ بِهِ منَ الْهُدَى والْعلْمِ كَمَثَلَ غَيْثٍ أَصَاب أَرْضًا فكَانَتْ طَائِفَةٌ طَيبَةٌ" الحديث.