هل نفى ابن تيمية الجسمية عن الله عز وجل أم أثبتها؟
هل نفى ابن تيمية الجسمية عن الله عز وجل أم أثبتها؟
من عادة أهل الباطل أنهم إذا أرادوا إنكار حق ظاهر أن يخترعوا مصطلحاً مجملاً تحير به العامة ثم يشبعون هذا المصطلح هذا ذماً وهم يستبطنون ذم الحق، حتى إذا جاءهم الحق لاحقاً ألحقوه بهذا المصطلح وبرروا دفعهم له.
لهذا نظير في زماننا تجد النسويات والليبراليين يذمون (النظام الأبوي) أو ما يسمونه (ذكورية) وهم يستبطنون ذم القوامة ووجود فروق فطرية بين الجنسين، وأشبعوا الجو بذم هذا النظام الذي ربطوه بالتسلط.
ثم بعد ذلك إذا جاءتهم أحكام شرعية تخالف هواهم طلبوا تأويلها أو أنكروها أو أنكروا الدين لأجلها، لأنها بدعواهم (أبوية) أو (ذكورية)
هكذا صنع الجهمية قديماً ملأوا الجو بذم (التجسيم) والتجسيم عندهم ما دلت عليه النصوص بل والفطر من أن الله عز وجل له وجود حقيقي في الخارج، بمعنى أنه يرى ويسمع ويشار إليه.
فصاروا إذا جاءتهم نصوص تخالف عقيدتهم قالوا هذه واجبة التأويل لأنها (تجسيم) وإذا كانت أحاديث دفعوها أو حرفوها بحجة دفع التجسيم المقتضي للتشبيه عندهم.
لا يفهم المعطل من كلمة (جسم) أكثر مما يفهم الموحد من كلمة (شخص) الوارد في حديث (لا شخص أغير من الله) أو (لا شخص أحب إليه المدحة من الله)
- قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْن أَحْمَدَ في زوائد المسند: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ سَوَاءً قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ الْقَوَارِيرِيُّ: "ليْسَ حَدِيثٌ أَشَدَّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ قَوْلِهِ: لَا شَخْصَ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِدْحَةٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ".
ولهذا بوب البخاري باباً في كتاب التوحيد والرد على الجهمية باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا شخص أغير من الله» وقال عبيد الله بن عمرو، عن عبد الملك: «لا شخص أغير من الله».
لفظ التشبيه لفظ مذموم، مثل لفظ البخل والجبن والعجز، ومثله لفظ التعطيل.
والألفاظ الممدوحة مثل التنزيه والتوحيد، ومثلها الكرم والعدل والقدرة، ومثله الإثبات.
وأما لفظ التجسيم فهو لفظ مجمل يطلقه المعطل ويستبطن الوارد في النصوص، وربما أطلق ذمه بعض أهل الإثبات وأراد نفي التشبيه أو الفناء عن الله عز وجل، وربما أثبته بعض الناس وأراد معنى القائم بنفسه المقيم لغيره، فالمعنى سليم ولكن إطلاقه نفياً أو إثباتاً خطأ.
ولهذا المعطل لا يرضى من بعض المثبتة بقولهم بنفي التجسيم مع كونهم يثبتون الصفات، وينسبهم للتناقض، وقد كان متقدمي الأشعرية يثبتون الصفات الذاتية وينفون الجسمية فأبى عليهم متأخرون، ورأوا ذلك تناقضاً، وأنه لا بد من النفي.
والمشكلة اليوم أن السني يتأثر بإرهاب المعطل إذا قال له (هذا تجسيم)! حتى أن بعض المنتسبين للسنة إذا أنكر ثبوت صفة عنده يصف مثبتها بأنه وقع في التجسيم، وهذا غلط فلفظ الجسمية مجمل، وتعليل النفي بأنه يقتضي الجسمية طريقة المعطلة. وأنت إذا ثبت عندك الخبر ستثبته، بل أنت تثبت نظيره مما يعتقده المعطل جسمية.
ولتقريب المسألة أكثر ركز في هذا المثال:
كتبت قديماً ردا على علوي السقاف في نفيه وجود حديث صحيح في إثبات صفة الساعد (وبلغني أنه تراجع)
الآن أنا موقفي الإثبات لأن الحديث صح عندي.
علوي موقفه عدم الإثبات لأن الحديث لم يصح عنده، ولو صح لأثبت.
الأشعري حتى لو صح الحديث عنده سيقوم بتأويله، كما أول النصوص القرآنية والحديثية الكثيرة في الفوقية والوجه واليدين.
هذه كلها مواقف متسقة مع نفسها، ولكن الموقف المتناقض أن يأتي شخص على مذهبي أو مذهب علوي في الإثبات ويقول: إثبات الساعد تجسيم لأنه لم يصح به حديث! كما يفعل البعض في صفة الجلوس (مع أنه ثبت فيها أخبار)
فيقال له: موقفك هذا متناقض، فتعليل دفع الصفات بالجسمية هذه طريقة الجهمية، وأنت أصلاً تثبت اليد والأصابع مما لا يختلف في المعنى عن أمر الساعد لا عندنا ولا عند الجهمي، فإن كان هذا تشبيهاً أو تجسيماً فما تثبت أنت كذلك، وإن لم يكن ما تثبت تجسيماً فليس كذلك.
وتنبه هنا لحيلة يقوم بها بعض الجهمية، يأتي لصفات غير مشتهرة عند الناس، أو وردت في آثار عن السلف، مثل أن الله يمس بيده بعض الخلق فتجده يقول (الآن كشف تجسيمكم) إذا وجد سنياً يتكلم بها، مع أنه يعتقد أن ظواهر النصوص القطعية يقتضي هذا المعنى، فخلق الله لآدم بيده وطيه للسماوات بيمينه ظاهرها في مذهبهم لا يختلف عن ظاهر أثر (لم يمس الله بيده إلا ثلاثة) ولهذا يحرفونها بما يسمونه تأويلاً.
إذا فهمت ما مضى تفهم موقف ابن تيمية وتحرزه، فهو ينبه دائماً على أن لفظ الجسم مجمل والسلف ما أطلقوا إثباته ولا نفيه (وقد ورد عن السلف عبارات بتحقيق الوارد في النصوص كتسمية بعضهم للصفات الفعلية حركة، ولكن هذا لا يحتمل معنى زائداً على الوارد في النصوص)
=
=
قال ابن تيمية في الجواب الصحيح (4/ 432): "وأما الشرع، فالرسل وأتباعهم الذين من أمة موسى وعيسى ومحمد - صلى الله عليه وسلم -، لم يقولوا: إن الله جسم، ولا إنه ليس بجسم، ولا إنه جوهر، ولا إنه ليس بجوهر.
لكن النزاع اللغوي والعقلي والشرعي في هذه الأسماء، هو مما أحدث في الملل الثلاث بعد انقراض الصدر الأول من هؤلاء وهؤلاء وهؤلاء.
والذي اتفقت عليه الرسل وأتباعهم، ما جاء به القرآن والتوراة من أن الله موصوف بصفات الكمال، وأنه ليس كمثله شيء، فلا تمثل صفاته بصفات المخلوقين، مع إثبات ما أثبته لنفسه من الصفات، ولا يدخل في صفاته ما ليس منها، ويخرج منها ما هو داخل فيها".
وقال ابن تيمية في الرسالة الأكملية: "ومنهم: من يمتنع من الإثبات والنفي، كما قالوا في لفظ الغير، وكما امتنعوا عن مثل ذلك في لفظ الجسم ونحوه، فإن قول القائل: العلم عرض بدعة، وقوله: ليس بعرض بدعة، كما أن قوله: الرب جسم بدعة، وقوله: ليس بجسم بدعة.
وكذلك أيضًا لفظ [الجسم] ، يراد به في اللغة: البدن والجسد، كما ذكر ذلك الأصمعي وأبو زيد، وغيرهما من أهل اللغة.
وأما أهل الكلام، فمنهم من يريد به المركب، ويطلقه على الجوهر الفرد بشرط التركيب، أو على الجوهرين، أو على أربعة جواهر، أو ستة، أو ثمانية، أو ستة عشر، أو اثنين وثلاثين، أو المركب من المادة والصورة".
يريد الشيخ أن هناك من امتنع في لفظ الجسم امتناعهم عن سؤال (هل صفات الله هي الله أم غيره)؟ فهذه أغلوطة، فإن أريد بالغيرية أنها منفصلة عنه بالكلية فهذا معنى باطل، وإن أريد بالغيرية أن لكل صفة معنى وخصائص، فالعلم غير القدرة غير الكلام، وكلها صفات لله تقوم به فهذا معنى سليم.
وقال بيان تلبيس الجهمية ( 1/373): "وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا قول أحد من سلف الأمة وأئمتها، أنه ليس بجسم، وأن صفاته ليست أجسامًا وأعراضًا؟ فنفي المعاني الثابتة بالشرع والعقل؛ بنفي ألفاظ لم ينف معناها شرع ولا عقل، جهل وضلال".
قال ابن تيمية في آخر درء تعارض العقل والنقل (10/ 306): "فإن أئمة السنة والحديث لم يختلفوا في شيء من أصول دينهم.
ولهذا لم يقل أحد منهم: إن الله جسم، ولا قال: إن الله ليس بجسم، بل أنكروا النفي لما ابتدعته الجهمية، من المعتزلة وغيرهم، وأنكروا ما نفته الجهمية من الصفات، مع إنكارهم على من شبه صفاته بصفات خلقه، مع أن إنكارهم كان على الجهمية المعطلة أعظم منه على المشبهة، لأن مرض التعطيل أعظم من مرض التشبيه.
كما قيل: المعطل يعبد عدماً، والمشبه يعبد صنماً.
ومن يعبد إلهاً موجوداً موصوفاً بما يعتقده هو من صفات الكمال، وإن كان مخطئاً في ذلك، خير ممن لا يعبد شيئاً، أو يعبد من لا يوصف إلا بالسلوب والإضافات.
ونفاة الصفات، وإن كانوا لا يعتقدون أن ذلك متضمن لنفي الذات، لكنه لازم لهم لا محالة، لكنهم متناقضون.
ولهذا لا يوجد فيهم إلا من فيه نوع من الشرك، ولا بد من ذلك لنقص توحيدهم الذي به يتخلصون من الشرك.
والمقصود أن يقال: جواب هذا السؤال في الشريعة.
وذلك أن يقال: إن الله قد بين ما هو ثابت له من الصفات وما هو منزه عنه، وأثبت لنفسه صفات الكمال، ونفى عنه صفات النقص.
فيقال لمن سأل بلفظ الجسم: ما تعني بقولك؟ أتعني بذلك أنه من جنس شيء من المخلوقات؟ فإن عنيت ذلك فالله تعالى قد بين في كتابه أنه لا مثل له، ولا كفو له، ولا ند له، وقال: {أفمن يخلق كمن لا يخلق} [النحل: 17].
فالقرآن يدل على أن الله لا يماثله شيء: لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله: فإن كنت تريد بلفظ الجسم ما يتضمن مماثلة الله لشيء من المخلوقات، فالله منزه عن ذلك، وجوابك في القرآن والسنة.
وإذا كان الله ليس من جنس الماء والهواء، ولا الروح المنفوخة فينا، ولا من جنس الملائكة، ولا الأفلاك، فلأن لا يكون من جنس بدن الإنسان ولحمه وعصبه وعظامه، ويده ورجله ووجهه، وغير ذلك من أعضائه وأبعاضه، أولى وأحرى.
فهذا الضرب ونحوه، مما قد يسمى تشبيهاً وتجسيماً، كله منتف في كتاب الله، وليس في كتاب الله آية واحد تدل، لا نصاً ولا ظاهراً، على إثبات شيء من ذلك لله، فإن الله إنما أثبت له صفات مضافةً إليه.
كقوله: {ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء} [البقرة: 255] و: {إن الله هو الرزاق ذو القوة} [الذاريات: 58] .
و: {ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} [ص: 75] ، {ويبقى وجه ربك} [الرحمن: 27] ، {والسماوات مطويات بيمينه} [الزمر: 67] ، كما قال: {تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك} [المائدة: 116".
=
=
إلى أن قال: "وإن عنيت بلفظ الجسم الموصوف بالصفات، القائم بنفسه، المباين لغيره، الذي يمكن أن يشار إليه، وترفع إليه الأيدي -فلا ريب أن القرآن قد أخبر أن الله له العلم والقوة والرحمة، والوجه واليدان، وغير ذلك، وأخبر أنه إليه يصعد الكلم الطيب، والعمل الصالح يرفعه، وأنه: {خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش} [الفرقان: 59] ، وأنه: {تعرج الملائكة والروح إليه} [المعارج: 4] .
فالقرآن مملوء من بيان علوه على خلقه، والصعود إليه، والنزول منه، ومن عنده، وإثبات علمه ورحمته، وغير ذلك من صفاته.
وإذا سميت ما هو كذلك جسماً، وسئلت: هل هم جسم؟ كان الجواب أن المعنى الذي سئلت عنه وأردته بهذا اللفظ قد بينه الله وأثبته في كتابه".
وقال أيضاً: "فإذا قال القائل بعد هذا: الجسم هو المؤلف أو المركب، فلا يكون جسماً، ونحو ذلك.
قيل له: لا ريب أن الله سبحانه غني عن كل ما سواه، لا يجوز أن يقال: إنه مفتقر إلى غيره في شيء فضلاً عن أن يقال: ركبه مركب، أو ألفه مؤلف.
والله قد أخبر في القرآن بمعناه.
وكذلك لا يجوز أن نظن أنه كان مفرقاً فاجتمع، أو أنه يتفرق، أو نحو ذلك مما ينافي صمديته وكماله في وقت من الأوقات.
وإذا قال قائل: الجسم هو القائم بنفسه، أو المشار إليه، فيكون جسماً.
قيل له: لا ريب أن الله قائم بنفسه، وأنه ترفع الأيدي إليه، ويشار إليه.
كما أشار النبي صلى الله عليه وسلم عشية عرفة بإصبعه إليه وجعل يقول: اللهم اشهد، اللهم اشهد.
وقال: إن الله حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفراً.
وقال: إشارة الرجل بإصبعه في الصلاة مقمعة للشيطان.
وهو إشارة إلى التوحيد.
ويقال لذلك:
أنت تقول: الجسم هو المركب، وهذا يقول: هو القائم بنفسه، وأنتما متفقان على أن الله تعالى لا يتفرق ولا يركبه أحد".
وهذه خلاصة بحث الشيخ، وهذا كلامه في عامة كتبه. وأما من يأتي برواية تاريخية يزعم فيها أن الشيخ قال بأن الله ليس بجسم ولا عرض في أبيات له، فما آفة الأخبار إلا رواتها، ومخالفة الخبر للمتواتر في كتب الرجل يجعل الاعتماد على مثل هذا الخبر الشاذ نوعاً من السذاجة البحثية، وعدم الجدية، ومحاولة تبرير زلات بعض الناس فحسب.
وكلام الشيخ يبين لك خطورة أن يستخدم السني لفظ الجسمية كما يستخدمه الجهمية، وهذا يقع من عدد من المنتسبين للسنة اليوم، تجده يدفع بعض الأخبار التي لها نظير أو يتحسس منها جداً بحجة أنها تقتضي التجسيم! وهذا مثل تحسسك من حكم شرعي لأنه (رجعية) ثم تحسب نفسك لست متأثراً بالحداثة.
فهناك فرق بين إنكار المتوقف وإنكار الذي له موقف، فعلى سبيل المثال في الخلاف في التفضيل بين علي وعثمان كان هناك من يتوقف فلا يتكلم في هذا الأمر، فلو جاء إنسان وفضل عثمان على علي، فسينكر عليه المتوقف، وسينكر عليه من يفضل علياً، ولكن من يفضل علياً فقط هو من سيصفه بأنه ناصبي، فإذا وصفه المتوقف بأنه ناصبي علمنا أنه إما تأثر بالشيعي، أو أنه ليس متوقفاً في الحقيقة، بل هو يبطن موقف الشيعي، أو لا يفهم حقيقة توقفه. هذا يقال فيمن يتحسس من إثبات بعض الأمور مراعاة للمزاج الجهمي، ويصف من يثبت بأنه وقع في التجسيم، وهذا الضرب -مع ما عنده من خلل- لا يجوز أن يجعل مثل الجهمي من كل وجه، فهو يثبت النصوص على ظاهرها، بل كثير منهم لا يمانع من الإشارة الحسية، وإنما حصل تشوش بسبب اختلاف مصادر التلقي، ودخول المزاج التوافقي على البحث العلمي.