كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

تحليل التحول العقدي (ترك الدين أو ترك المذهب) بعوامل خارجية (نظرة نقدية).

المصدر
تحليل التحول العقدي (ترك الدين أو ترك المذهب) بعوامل خارجية (نظرة نقدية). لما بدأ الإلحاد بالظهور في الشباب تكلم جماعة من الناس في أسباب الإلحاد، وكثير منهم كانت طريقته بالتحليل سطحية أو هي اقتصاص من خصومه أكثر منها تحليلاً منصفاً. ولاحظت نحواً من هذا في عدد ممن يتحدث عن أسباب تاركي السلفية. يذكرون أموراً هي خارج محل الاعتقاد كما في ظاهرة الإلحاد (حين كانت ظاهرة). ففي الإلحاد كان يقال: (من أسباب الإلحاد: تشدد المشايخ؛ أو قسوة الأب المتدين؛ أو قسوة الآباء مطلقاً؛ أو أن هناك اضطهاداً للمرأة) وتلاحظ أن المشترك بين عموم هذه التحليلات الإلقاء باللائمة على غير الواقع في الإلحاد، وتصويره على أنه ضحية لغيره. وهذه التعليلات كلها تفترض أن هناك شخصاً عنده أدلة على مطالب العقيدة الكبرى أو حتى فطرة سليمة ثم قرر أن يترك كل ذلك؛ لموقف له من شخص أو من حكم معين. هذا في الحقيقة هو الهوى، وقد ذكر رب العالمين في القرآن عن كفار كفروا لاحتقارهم أهل الإيمان ولتعظيمهم آباءهم، وذكر سبحانه من عبدوا على حرف كأنهم يجربون الدين تجريباً. فهذا الشخص لو افترضنا أن غيره ملوم فهو يقع عليه اللوم الأعظم؛ لأنه بالغ في ردة الفعل، فالمرء إن استشكل حكماً وكان فاقداً للتسليم فهو يردُّ الحكم لا أن يكفر بالدين كله، والموقف السليم أن يتهم رأيه ويسلِّم لله. لو تأملت في الأسباب أعلاه ستجد أنها ليست أسباباً بل نتائج للأسباب الحقيقية. فمن تشبع بفلسفة (أنت حر ما لم تضر) سيكون مفهوم التشدد عنده واسعاً، من تشبع بالرأسمالية أو النسوية أو الإنسانوية فإنه غالباً سيستشكل أحكاماً ما كان الأوائل يستشكلونها، من تشبع بالطرح الحقوقي سيكون ناقماً على المنظومات الأبوية ناظراً لسيئاتها دون حسناتها، فهو بهذا الاعتبار سيجعل من الحبة قبة، فهذه الأمور مع التشبع بهذه الفلسفات؛ واحتقار العقيدة؛ والتعلق بالدنيا؛ وطغيان فكرة الفردوس الأرضي= من الممكن أن توجِد إلحاداً عاطفياً. ثم الذهاب للإلحاد الذي لا يُغني شيئاً ولا يزيد القلب إلا ألماً؛ لهذا كثير منهم يرجع. الأمر نفسه إن تحدثنا عن ظاهرة التحول المذهبي (فلان ترك السلفية لضعف علوم الآلة عندهم بزعمه؛ أو لأنهم متشددون؛ أو لأنهم منبطحون للحاكم؛ أو بالعكس لأنهم يهاجمون الحكومات ويصنعون القلاقل؛ أو لا يفقهون الواقع) وغيرها من التعليلات. لو تأملتها فإنها تفترض أن شخصاً كان على عقيدة مطمئناً بها عارفاً بأدلتها أو مائلاً إليها لموافقتها فطرته ثم تركها لمواقف من أمور لا علاقة لها بهذه العقيدة، بل القائلون بهذه العقيدة لا يمكن أن تنطبق تعليلاته عليهم كلهم، فهي تنطبق على قسم منهم فقط، فهذه التعليلات ممكن أن تبرِّر الانتقال من سماع شيخ إلى سماع آخر أو من تيار إلى آخر. وخصوصاً أن المنتقَل إليه مِن تصوف وتمشعر لا يخلو من عيوب هي أشد، وربما في نفس محل التعيير. غير أنك لو تأملت لوجدت أن الشاب الذي لم ينشأ على تعظيم العقيدة وأنها المعيار الأعظم في الحكم على الأشخاص والجماعات والمشاريع، وأن معايير حركية أو دنيوية هي أعظم منها؛ فإن هذا من السهل أن يترك عقيدته عند انفعال معين، كذاك الشاب الذي يفكر بترك الإسلام لأنه لا يرى المسلمين ممكَّنين، ولهذا لا ينظر إلى براهين صحة عقيدتهم، ويحتكم إلى معايير الغرب، فما سماه الغرب تقدماً هو تقدم وصواب وما سموه تخلفاً هو تخلف وخراب، وينسى المعيار الأخروي؛ ومعيار العقيدة؛ والحفاظ على الأعراض وغيرها، فهو كشأن فرعون الذي علل صوابه وغلط موسى بأن له ملك مصر وتجري الأنهار من تحته. الفزع من الاتهام بـ(التشدد) و(الغلو) و(الرجعية) هو أحد أهم أسباب التحولات السلوكية ثم المذهبية، وهذه الاتهامات كلها تستبطن الاحتكام لمعايير لا علاقة لها بالقرآن والسنة. لا ننكر وجود عيوب حقيقية في طرح كثير من المشيخة غير أن البلاء لا يحصر بالشدة والتنفير (وهذا حق)، بل اللين الزائد أيضاً غلط وفتنة وقد يكون سبباً في الانحراف، فقد ذُكر أن ابن عقيل الحنبلي جالس شيوخاً للمعتزلة وتسامح معهم؛ فانحرف، فهذا سبب معروف مشهور يجتنبه كثير؛ لأنه باختصار سبب تراثي تقليدي، وهم يحرصون في حديثهم أن تكون تعليلاتهم موافقة للعقلية الحديثة، سواءً بصورتها الإسلامية (زعموا) أو العالمانية. والخلاصة: إن تعليل التحول العقائدي بتعليلات خارجة عن نفس البحث العقدي لا يجعل من الشخص الذي هو موضوع البحث ضحية، بل هذا يدل على مرض في القلب، وغالباً يدل على فساد في الاعتقادات؛ والتصورات؛ وترتيب الأولويات، فإذا عولج هذا زالت الإشكالية من الأساس، ثم بعدها إصلاح إشكاليات الخطاب الشرعي يكون خارجاً عن مثل هذا الضغط، بل بحسب النظر للنصوص ومحاولة الاتساق المنهجي.