فما عذرنا نحن؟
فما عذرنا نحن؟
كنت أرى رجلًا أعمى من جيران المسجد يخرج إلى المسجد وقد حفظ الطريق دون قائد.
كانت رؤيته تغني عن ألف موعظة، إذ كنت أقول في نفسي: هذا الرجل معذور من شهود الجماعة ومع ذلك يتكلف الذهاب إلى المسجد ويريد الأجر، فما عذرنا نحن وعندنا أبصارنا في التفريط بذلك، هذا الإنسان إذا رأيتُه كنت أتذكر ابن أم مكتوم.
ومرة حين كنت أقرأ قوله تعالى: "والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير لهن والله سميع عليم".
تأملت في هذه الآية وتساءلت في نفسي: ما دامت مِن القواعد ولا ترجو نكاحًا ولا تتبرج بزينة، لماذا جاء حثها على أن تتحجب الحجاب الأستر كالشابات على وجه الاستحباب في قوله تعالى: "وأن يستعففن خير لهن"؟
فتذكرت أمر صاحبي الأعمى وأنا أتفكر في هذا الأمر.
فقلت: لعل الحكمة أن تراها الشابة حريصة على الستر مع كبر سنها وضعف افتتان الناس بها، فتقول الشابة: إن كانت هذه التي عذرها الله حريصة على الستر ولا تستثقله، فما بالك بي أنا والفتنة فيَّ أكبر وما لي عذر، فلِم أستثقل الأمر؟
فيكون في ذلك دعوة صامتة من إنسان معذور لأناس غير معذورين، وعلى القواعد أن يحتسبن الأجر في ذلك.
قال أحمد في الزهد [2031]:
حدثنا جرير، عن أبي حيان، عن أبيه قال:
أصاب الربيعَ الفالجُ فكان يُحمل إِلى الصلاة.
فقيل له: إنه قد رُخِّص لك.
قال: قد علمت ولكني أسمع النداء بالفلاح.
الله أكبر.