كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

=

المصدر
= المسألة الثانية: حكم من يقول (أنا مؤمن إن شاء الله) أهل السنة القائلون بأن الإيمان قول وعمل يستثنون في الإيمان ويقولون (أنا مؤمن إن شاء الله) لأن الإيمان عندهم حقيقة مركبة والاستثناء على العمل، فالشك في بعضه لا يقتضي الشك في كله. وأما المرجئة الذين يخرجون العمل من مسمى الإيمان، ويرون الإيمان شيئاً واحداً، فهم يرفضون الاستثناء، ويسمون المستثني شاكاً؛ ولهذا كتب العقيدة القديمة تعنى بهذه المسألة أثناء الرد على المرجئة. ولما كان عامة الحنفية مرجئة فإنهم في عامة كتبهم الفقهية يتكلمون عن الخلاف في تكفير من يقول (أنا مؤمن إن شاء الله) (يعني تكفير عامة أهل السنة ومعهم الأشعرية) جاء في المحيط البرهاني في الفقه النعماني: " وعن الشيخ الإمام الجليل أبي بكر محمد بن الفضل أن من قال: أنا مؤمن إن شاء الله إنه يكفر في الحال، فعلى هذا القياس لا يجوز المناكحة بيننا وبينهم أصلاً". وقد رد أحناف كثير على هذا الغلو، غير أن المشكلة أنهم في دفاعهم يعللون بأن المستثني في الإيمان يستثني على الموافاة (يعني بمعنى أنه لا يدرى بماذا يختم له) وهذا مأخذ الأشاعرة الذين شركوا الماتردية بالإرجاء وخالفوهم في الاستنثاء، وأما أهل السنة فلهم مأخذ آخر. وفي البحر الرائق لابن نجيم الحنفي (وهو كتاب متأخر): "فحاصله أن صاحب الهداية جوز الاقتداء بالشافعي بشرط أن لا يعلم المقتدي منه ما يمنع صحة صلاته في رأي المقتدي كالفصد ونحوه، وعدد مواضع عدم صحة الاقتداء به في العناية وغاية البيان بقوله كما إذا لم يتوضأ من الفصد والخارج من غير السبيلين وكما إذا كان شاكا في إيمانه بقوله أنا مؤمن إن شاء الله أو متوضئا من القلتين". ولهم في ذلك فروع كثيرة مبنية على اعتقاد أن من يقول (أنا مؤمن إن شاء الله) إما يكون كافراً أو مبتدعاً (وهذا الأخير هو قول أكثر المتأخرين لا يكفرون وإنما يبدعون فقط) وخطير جدا أن يكون قول أهل السنة محل بحث هل يكفر أهله أم يبدعون، ويظهر على أنه خلافي بين كبار الفقهاء. فإذا أضفت لهذا قول السرخسي المعروف في حديث أبي هريرة إذا خالف القياس (وله أصل في كلام متقدميهم وقد رد عليهم الإمام الشافعي كثيراً وبين تناقضهم) مع ردود أالعلائي عليهم في منيف الرتبة ورد نظراء له أيضا . وما يذكر في كتب الردة -من كتب الفقه الحنفي المتأخرة- من التوسع بالتكفير، وما ذكره في المقال الآنف في أمر النبيذ، وموقف المذاهب الأخرى من المرجئة، وكلام الناس في الحيل. هنا تعرف بعض أسباب كلام المتقدمين في مذهب أهل الرأي. وكثيرون ممن يتكلمون عن المذهبية يتكلمون كلاماً حالماً ليس ناشئاً عن دراسة مدققة، فتجد تسطيحاً شديداً في أمر الخلاف، وحتى مع فرض عدم وجود هذا كله فالميل لمذهب الحديث فيه شحيح مع وجود مذاهب أكثر عناية بالحديث والدليل صفقة غبن، ومن يسلي نفسه بأن المذاهب كلها لها مميزات وسيئات فذلك فرع عن تكافؤ الأدلة، وأمر لا يستقيم. فحقاً البعض أقرب للحق من بعض، وأما من يسلي نفسه بأن المرء يأخذ بكلامهم ثم بعد ذلك يدرس الأدلة ولا يتعصب فلماذا يطيل الطريق على نفسه ويعرض نفسه للخطر في بدايات الطلب؟