كتب شيخ الطريقة الدرقاوية الشاذلية عبد الله ابن الصديق الغماري تصحيحاً لأبيات ال
كتب شيخ الطريقة الدرقاوية الشاذلية عبد الله ابن الصديق الغماري تصحيحاً لأبيات البردة ودافع عنها ما استطاع ومع ذلك اعترف بالغلط والمبالغة في بعض أبياتها فكان مما قاله :
و ثاني الأبيات قوله:
وقدمتك جميع الأنبياء بها والرسل تقديم مخدوم على خدم
هذا خطأ لا شك فيه، لأن الأنبياء بعضهم مع بعض ليس فيهم خادم ومخدوم، وليس تفضيل بعضهم يقتضي أن يكون المفضول خادما للفاضل، بل هم سواء في النبوة. وفي حديث المعراج المتواتر ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يحيى وعيسى ويوسف وموسى وهارون وغيرهم حين تلقوه، حيّاه كل واحد منهم بقوله: مرحبا بالنبي الصالح، والأخ الصالح.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (( الأنبياء إخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد )). الحديث رواه أحمد وأبوداود وصححه ابن حبان والحاكم. وقد أصلحت هذا البيت بقولي:
وقدمتك جميع الأنبياء بها و كرّموك لفضل فيك من قدم
وطبعت هذه البردة بهذا الإصلاح في دبي بالإمارات العربية.
ومما يناسب هذا ما شاع عند كثير من الناس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ركب البراق ليلة المعراج، وجبريل عليه الصلاة والسلام آخذ بركابه. وهذا غير صحيح، وبخس بمقام جبريل عليه السلام وإقدام على نقص قدره.
أقول : هنا هو يعترف أن القوم بحجة مدح النبي صلى الله عليه وسلم يقعون في انتقاص الأنبياء والملائكة وأزيد أنهم ينسبون له بعض الخصائص الإلهية
وكتب أخوه عبد العزيز الغماري شيخ الطريقة الدرقاوية الشاذلية رداً على أبي بكر الجزائري في الكمالات وكان مما قاله : بل فات السيد محمد علوي أن يذكر الكرامة الكبرى ، والخصوصية المحمدية العظمى التي لم ينلها مخلوق لا نبي مرسل ولا ملك مقرب وهو ما ورد عن الصحابة والتابعين في قوله تعالى :( عسى أن يبعثك ربك مقام محمودا ) أنه يجلسه أو يقعده على العرش .
وقد ورد مثل هذا عن ابن مسعود مرفوعا ولكن في سنده انقطاع . أما عن التابعين فورد عنهم من طرق كما يعلم ذلك من خلال اطلاع ومعرفة .
بل قال عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه : إذ كان يوم القيامة جيء بنبيكم صلى الله عليه وآله سلم فأقعد بين يدي الله تعالى عل كرسيه . قال الذي روى الحديث عن سعيد الجريري قلت له : إذا كان على كرسيه أليس هو معه ؟ قال : ويلكم هذا أقر حديث في الدنيا لعيني .
وانظـر كيـف جعـل الجريـري هذا الحـديث أقـر حديث في الدنيـا لعينه .
وهكذا كان حال السلف الأبرار في كل ما يسمعونه من خصائص النبي صلى الله عليه آله وسلم ، لا يردونها بعقلهم ولا يلمسون لها المهرب ، بل يؤمنون بها ولو كان ظاهرها غير مراد لأن مقام نبينا صلوات الله عليه وآله فوق ذلك وأعلى من كل ما يسمعه السامع ، ويرويه الراوي فلا يسعنا مع ذلك إلا التسليم والإيمان بذلك وإلا كان الإنسان بعيدا عن العلم الصحيح والعقل السليم .
ومسألة قعوده صلى الله عليه وآله وسلم على العرش ذكرها كثير من الحفاظ الذين أجمعوا ما ورد في عقيدة السلف في كتبهم .ولم ـ يعترضوا عليها ويتعقبوها بشيء، بل ذكروها في التفسير المأثور كابن جرير وغيره.
أقول : في الواقع أنهم اطلعوا على هذه الفضيلة ولكن لما فيهم من تجهم يكرهونها ولا ينسبون أئمتهم الذين ينكرونها إلى بغض النبي صلى الله عليه وسلم أو أذيته كما يفعلون متاجرين بالعواطف مع من يأخذ بالأحاديث الواردة في أبوي النبي صلى الله عليه وسلم
بل كثير منهم يطعن في شيخ الإسلام ابن تيمية وأئمة السلف الذين يأخذون بأثر مجاهد في المقام المحمود علماً أنه قد قال به من المعتبرين عندهم ابن الجوزي وابن حجر والسخاوي ودفعوا الاعتراضات عليه بل حتى ابن العربي المالكي
قال ابن العربي المالكي في أحكام القرآن (6/363) :" فهذا محمد - صلى الله عليه وسلم - ما عصى قط ربه، لا في حال الجاهلية ولا بعدها، تكرمة من الله وتفضلا وجلالا، أحله به المحل الجليل الرفيع، ليصلح أن يقعد معه على كرسيه للفصل بين الخلق في القضاء يوم الحق "
قال ابن حجر في فتح الباري شرح البخاري (2/416) :" قال بن الجوزي والأكثر على أن المراد بالمقام المحمود الشفاعة وقيل إجلاسه على العرش وقيل على الكرسي وحكى كلا من القولين عن جماعة وعلى تقدير الصحة لا ينافي الأول لاحتمال أن يكون الإجلاس علامة الإذن في الشفاعة ويحتمل أن يكون المراد بالمقام المحمود الشفاعة كما هو المشهور وأن يكون الإجلاس هي المنزلة المعبر عنها بالوسيلة أو الفضيلة"
وظاهر هذا أن ابن حجر يقول بهذا الأثر ! وقد استظهر ذلك المعلقون على النونية في طبعة دار عالم الفوائد ، وفي السنة للخلال آثار كثيرة في الإنكار على من أنكر هذا الأثر ويقولون ( هذا الذي ينكر فضيلة النبي ) فجاء الجهمية المتأخرون ومدحوا النبي صلى الله عليه وسلم بما لم يمدحه به الله وأنكروا ما قبله السلف بشهادة شيوخهم
كتب الأخ محمد بن أسامة : تخيل معي هذا الحوار التخيلي سنة 1500 ميلادية. تلك الحقبة التي خرج فيها المسلمون من أوروبا، وبدأ الأوروبيون في محاولة هضم الثقافة والعلوم الإسلامية.
عندما اقتحموا بيت أحد المسلمين الهاربين إلى المغرب ووجدوا مكتبة عامرة بكتب الهندسة والفيزياء والفلك التي لم يقدر المسلم على حملها معه، ولكن كلها بالعربية.
فقال أحد الإسبان لصاحبه: علينا أن نترجم كل هذه الكتب إلى الإسبانية لينتفع بها أبناؤنا.
فرد عليه صاحبه: لا بل علينا أن نتعلم ونعلم كل أبنائنا تلك اللغة، فبغيرها لا يمكننا أن نتمكن من العلم أو أن نجتهد فيه. فليس لدينا وقت لترجمة كل هذا، فلغاتنا قاصرة عن التعبير عن المعاني العلمية التي تمتلئ بها الكتب. إن إيجاد مصطلحات بلغاتنا لترجمة كلمات العربية يحتاج إلى أجيال وأجيال، ونحن نريد النتيجة السريعة.
--
تخيل معي أن رأي الأخير هو ما حصل فعلا، وأن كل من أخذ من حضارة المسلمين لم يحاول الترجمة والتزموا تعلم العربية والكتابة بها، بل زادوا على ذلك أنهم إن فتح الله لهم أبوابا من العلوم كتبوها بالعربية، لا بالإسبانية.
هل كانت ستقوم لأوروبا قيامة؟ وهل كانت الإسبانية، أو الإنجليزية والفرنسية بعدها لتقوم لها القائمة وتصير هي لغة العلوم التي يتسابق العرب على تعلمها؟
وهل كان الأوروبيون سيظنون بعد عقود بأنهم أصحاب العلم والمكانة والفضل وهم يكتبون العلوم بلغة العرب ومدرس العربية هو أعلى المدرسين قدرا بينهم؟
--
إن إحياء اللغة يشبه الرجل العجوز الذي مر عليه طفل يزرع نخلة. سأله الطفل: كيف تزرعها وأنت رجل عجوز لا تؤمِّل في أن تعيش لتأكل تمرها.
فقال له العجوز: إنما أكلت تمر النخل الذي زرعه أجدادي عندما كبروا، وأنا أزرعها لتأكل أنت منها حين تكبر.
--
فلنزرع نحن شجرة اللغة العربية لتكون لغة العلوم. نعم لن نرى ثمارها الآن، ولكن من أجل أبنائنا وأحفادنا. حتى لا يصيرون ذيولا للأمم. أو زارعين في بساتين لغات تلك الأمم.
أقول أنا عبد الله : ولو لم يكن في دراسة العربية إلا فائدة العلم بالوحي والتراث الإسلامي لكفى بها فائدة ولو لم يترتب على ذلك أي منافع دنيوية فكيف مع ما ذكره الأستاذ محمد جزاه الله خيرا على أن من يتشدقون بلغة الأجنبي ليسوا من العلوم في قليل أو كثير وغاية ما عندهم حفلات غنائية وملاهي وخوض في الثوابت مع انعدام ظاهر لأي مشروع إصلاحي جاد
الخلاصة في الفرق بين تفكير الإنسان المتدين قديماً وحديثاً ( أيا كان دينه ) والإنسان الحديث المتعلمن جزئياً أو كلياً
هو أن الإنسان المتدين ينطلق من سؤال ( لماذا نحن هنا وما الحكمة من وجودنا وإلى أين مصيرنا )
ومن خلاله جوابه على هذه الأسئلة ينطلق في النظر في القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية
بيد أن الإنسان الحديث المتعلمن ينطلق من سؤال ( كيف أقضي يومي ) ؟ ( وهذا منطلق من الحكم ببهيمية الانسان ونفي الغائية المتعالية من وجوده )
ومن خلال الجواب على هذا السؤال ينظر للقضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية
والعجيب أنك تجد إنساناً متديناً باللسان ولكن نظرته للحياة وقضاياها تنطلق من المقدمة العالمانية في تحديد السؤال الأهم الذي من جوابه ننطلق
وإذا حللنا هذه المشكلة ستسقط الكثير من الأفكار والشبهات والنظريات الإصلاحية ويحل محلها غيرها إذ الأولوليات ستختلف وطريقة تقييم الأشخاص كذلك