البحث الذي لا يتقدم..
البحث الذي لا يتقدم..
حفل زفافي هذا الأسبوع وأخذتني الأشغال غير أنه لا ضير من شيء من الإيضاح.
قبل 8 سنوات أو أكثر كتبت بحثًا بعنوان (الترجيح بين أقوال المعدلين والمجرحين في أبي حنيفة) كان حصيلة بحث طويل وتحيُّر دام زمنًا، راعيت فيه أن أحترم عقل القارئ من بداية الكتاب إلى آخره، غير أنني وصلت النتيجة ثم سبكت البحث ولم أجعل على طريقة مراحلي في المسألة.
ولم أترك البحث في هذه المسألة بعد كتابتي هذا البحث بل حرصت على أن أقرأ المزيد والمزيد فيها، وأن أتطلع إلى كل بحث جديد في الموضوع، وأن أتعامل مع اعتراضات القراء حتى كتبت عدة مقالات إلحاقية.
طوال هذه المدة وأنا أتشوَّف لتقدُّمٍ في البحث يجعلني أرجع عن بعض ما وصلت إليه، أو يدعم ما أنا عليه، أو يلفت نظري إلى نقاط خفيت عني.
فإن البحث له مدخله العقدي فيما يتعلق بالموقف من المرجئة، ومدخله الفقهي في النظر للخلاف بين أهل الحديث وأهل الرأي، ومدخله الحديثي في النظر لمرتبة الرجل الحديثية وقواعد الجرح والتعديل، وأيضًا له نظر تاريخي في تحليل العديد من الأحداث التاريخية خصوصًا في الدولة العباسية وما تبعها من دول العجم.
مع الأسف الشديد ما رأيت شيئًا ذا بال حتى من باحثين متميزين كنت أرجو إنصافهم وإفادتهم، فكثير من الأحيان يكون الكلام في هذا الموضوع مجرد تسجيل موقف.
اختزال كبير واقتطاع لبعض النقولات فحسب، خصوصًا من كلام المتأخرين، وإذا خلا الأمر من همز ولمز للمخالف فضلًا عن الشتم الشديد فذلك أمر جيد.
وكنت أقول للباحثين في هذا الأمر أنه بغض النظر عن النتيجة النهائية -وإن كان الغالب فيهم عنده نتيجة مبدئية ينطلق منها البحث- فهناك أمور لا بد من التزامها في البحث المحترم:
أولًا: الرجوع إلى أقدم المصادر في الموضوع ثم الذهاب إلى المصادر المتأخرة، وتقديم المصادر المسندة على غيرها، وهذا أمر يتفق عليه الباحثون المسلمون والكفار في الأبحاث التاريخية.
ثانيًا: ضبط منهجية أصولية في تعريف الإجماع، ومتى ينضبط ومتى لا ينضبط، ومن الذين يعتد بقولهم في مسائل الجرح والتعديل.
ثالثًا: وجود منهجية موحدة في التعامل مع الآثار، سواء كانت آثارًا في المدح أو آثارًا في القدح، والمُشاهد هو التسامح في آثار المدح حتى يُقبل ما ينفرد به الكذابون أو ما لا أصل له، والتشدد في آثار القدح إلى درجة ردِّ بعض الأخبار المشهورة المستفيضة.
وأيضًا دعاوى الرجوع مثل دعاوى الإثبات كلها تُعامل بمنهجية واحدة صارمة.
رابعًا: جمع كلام العالم الواحد في المسألة، وإضافة النظير إلى النظير حتى تكتمل الصورة.
خامسًا: لا يُكتفى بنقل عابر بل هذه مسألة طويلة الذيول، لا بد فيها من مناقشات تامة أو على الأقل إفادات محورية.
سادسًا: ينبغي تحرير الصواب في المسألة مبدئيًّا ثم النظر في أعذار المخالفين، لا البحث تحت ضغط تعظيم بعض المخالفين، إن ثبت أنهم مخالفون أصلًا.
الأمر المؤسف أنني ما رأيت التزامًا بهذا أو ربعه مِن كثير ممن يبحث في الموضوع، بل لا يتعاملون نهائيًّا مع حجج المخالفين، والمؤسف أكثر أن تُستخدم هذه المسألة كترس لمسائل أخرى، فيكون بينك وبين شخص خلاف في مسألة ما لا يريد بحثها لسبب أو لآخر فيحاول التترس بهذه المسألة ليفوز بنصر وهمي أو تشويش أو انتقام، وإنني لأشعر بالخجل وأنا أكتب عن هذا السلوك وأتعجب كيف يصدر هذا من متدين.
=