الإسماعيلية وطرد أصول المتكلمين بما يكشفهم.
الإسماعيلية وطرد أصول المتكلمين بما يكشفهم.
قال الجرجاني في التعريفات ص26: "الإسماعيلية: هم الذين أثبتوا الإمامة لإسماعيل بن جعفر الصادق، ومن مذهبهم: أن الله تعالى لا موجودٌ ولا معدومٌ، ولا عالمٌ ولا جاهلٌ، ولا قادر ولا عاجز، وكذلك في جميع الصفات؛ وذلك لأن الإثبات الحقيقي يقتضي المشاركة بينه وبين الموجودات، وهو تشبيه، والنفي المطلق يقتضي مشاركته للمعدومات، وهو تعطيل، بل هو واهب هذه الصفات ورب المتضادات".
أقول: هذا الكلام هام جداً وخلاصته أن القرامطة لا يصفون الله بأي صفة ممكن أن يوصف بها مخلوق حتى صفة الوجود والعلم والقدرة وغيرها، وذلك أنهم يرون ذلك يقتضي التشبيه ولكنهم والحال هذه جعلوا رب العالمين ”عدماً“تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.
والمتكلمون خصوصاً متأخري الأشعرية يردون عليهم ولكن لا يدركون أنهم يقولون بنحو كلام القرامطة حين يقولون: الله لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوق ولا تحت ولا يمين ولا شمال وغيرها من السلوب .
ولتوضيح الأمر أكثر لنفترض حديثاً بين متكلم وقرمطي:
—يقول المتكلم للقرمطي : أنت أعدمت الله عز وجل بقولك (لا موجود ولا معدوم ولا عالم ولا جاهل ولا قادر ولا عاجز ) بل قل حي عليم قدير وحياته وعلمه وقدرته كلها تليق به سبحانه.
—فيقول له القرمطي : لا يمكنك إثبات هذه الصفات إلا بإثبات القدر المشترك بين الخالق والمخلوق وهذا تشبيه فأنت تعرف الفرق بين صفة العلم والقدرة والحياة والسمع والبصر، وهذه كلها تتصف بها المخلوقات ولا يمكنك أن تقول هذا اشتراك لفظي فقط بل هناك اشتراك معنوي ظاهر بدليل تفريقك بين الصفات وبدليل تقسيمك فتقول (وجود قديم يعني وجود الله ووجود حادث يعني وجود المخلوق ) والتقسيم يدل على الاشتراك المعنوي.
—فيرد عليه المتكلم بقوله: سمه اشتراكاً معنوياً أو قدراً مشتركاً ذلك لا يقتضي التشبيه بل هذا من تحقيق الصفات ولولا هذا من فهمنا صفات الخالق ولا أمكننا عبادته بالرغبة والرهبة.وأنت شاهدت القدر المشترك ولم تشاهد القدر الفارق فالمخلوق له سمع نعم ولكنه سمع مخلوق ناقص ويلحقه الفناء والله عز وجل سمعه ما لحقه فناء وهو كامل ومحيط بكل شيء.
—فيقول له القرمطي: ذا كان هذا مذهبك فعلى ماذا تنكر على أهل الحديث إثباتهم للصفات فهم يثبتون لله علواً وقدرة ويداً ووجهاً بحسب الوارد في النصوص وإذا قلت لهم هذا تشبيه يقولون لك أنت شاهدت القدر المشترك ولم تشاهد القدر الفارق وأن القرآن نفى وأثبت (ليس كمثله شيء) تنبيه على القدر الفارق (وهو السميع البصير) تنبيه على ثبوت صفة تثبت للمخلوق على جهة تليق به وتثبت للخالق على جهة تليق به ومانح الكمال أولى وكل شيء حسن في هذه الدنيا من آثار كماله سبحانه والأضداد تزيد حسن هذه الأشياء فالضد يظهر حسنه الضد.
وما تلزمنا به من اعتقاد العدم يلزمه به صاحب الحديث في قولك (الله لا داخل العالم ولا خارجه) بل قال متقدموهم أن قولهم أن الله لا يرى ولا يشار إليه ولا يسمع له كلام هو تشبيه لله عز وجل بالعدم.
وقال الجرجاني في التعريفات:
«الشيء: في اللغة هو ما يصلح أن يعلم ويخبر عنه، عند سيبويه، وقيل الشيء عبارة عن الوجود، وهو اسم لجميع المكونات، عرضًا كان أو جوهرًا، ويصح أن يعلم ويخبر عنه. وفي الاصطلاح: هو الموجود الثابت المتحقق في الخارج».
تأمل قوله: ( الثابت المتحقق في الخارج ) وقارنه بقول الجهمية المتأخرين (لا داخل العالم ولا خارجه) هو نظير قولهم (ليس بشيء) وقد كان الجهم ولا يقول أن الله شيء خالفه عامة الناس من أهل الحديث وأهل الكلام ومال لقوله الرازي في التفسير.
وعادة يعنون بـ((نفي التجسيم)) نفي وجود حقيقي في الخارج فلا تستهن بمقالتهم فهي خطيرة جداً.
قال أبو داود في سننه 4728 - حدثنا علي بن نصر، ومحمد بن يونس النسائي المعنى، قالا: حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ، حدثنا حرملة يعني ابن عمران، حدثني أبو يونس سليم بن جبير مولى أبي هريرة، قال: سمعت أبا هريرة يقرأ هذه الآية {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} [النساء: 58] إلى قوله تعالى {سميعا بصيرا} [النساء: 58] قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع إبهامه على أذنه، والتي تليها على عينه»، قال أبو هريرة: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها ويضع إصبعيه»، قال ابن يونس: قال المقرئ: يعني: إن الله سميع بصير، يعني أن لله سمعا وبصرا قال أبو داود: «وهذا رد على الجهمية».
أقول: اعتبر أبو داود هذا الحديث رداً على الجهمية لأن إشارة النبي صلى الله عليه وسلم الحسية إلى سمعه وبصره فيها التنبيه على القدر المشترك مع الاتفاق على نفي التشبيه.
=