ابن تيمية: الإمام أحمد أقام الحجة على جهمية عصره!
ابن تيمية: الإمام أحمد أقام الحجة على جهمية عصره!
قال ابن تيمية كما في «مجموع الفتاوى» [2/352] وهو يتكلم عن القول بخلق القرآن: "وهو قول الجهمية الذين كفرهم السلف والأئمة تكفيرا مطلقا؛ وإن كان الواحد المعين لا يكفر إلا بعد قيام الحجة التي يكفر تاركها".
يعتقد جماعة من الناس أن الجهمية في زمن الإمام أحمد وبعده ما قامت الحجة على كبير أحد منهم، وإنما قلة قليلة يعدُّهم العادُّ على أصابع يده، وهؤلاء لا ينضبط العلم الذي أقام الحجة عليهم، حتى لا يقاس عليهم أحد!
والمتأمِّل في قيام علماء أهل السنة على القوم حتى جمع اللالكائي أكثر من خمسمائة عالم أطلق تكفيرهم ليتساءل: كيف هذا العدد الهائل من العلماء والأئمة ما استطاعوا أن يُقيموا الحجة (كثير منهم) أو (أكثرهم) وهم الغالبية عدداً وعدَّة ومعهم الوحي القاطع وقد قال النبي ﷺ: «تركتم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك»؟
عادةً ما يعوِّل أصحاب هذا الطرح على كلمات لشيخ الإسلام حمَّلوها أكثر مما تحتمل، غير أنهم وهُم يدَّعون تقليد الشيخ ويُلزِمون بذلك؛ لا يجمعون كل كلامه في الموضوع.
قال ابن تيمية في «درء التعارض» [7/257]: "وإنما الذي ناظر الجهمية في المحنة هو أحمد بن حنبل، وكان ذلك في خلافة المعتصم، بعد أن بقي في الحبس أكثر من سنتين، وجمعوا له أهل الكلام من البصرة وغيرها: من الجهمية والمعتزلة والنجارية: مثل أبي عيسى محمد بن عيسى برغوث، صاحب حسين النجار، وناظرهم ثلاثة أيام، وقطعهم في تلك المناظرات، كما قد شرحنا تلك المناظرات في غير هذا الموضع".
وقال كما في «مجموع الفتاوى» [13/183]: "وبقي أحمد بن حنبل في الحبس إلى سنة عشرين فجرى ما جرى من المناظرة حتى قطعهم بالحجة".
مضمون هذين النَّصين أن الإمام أحمد أقام الحجة على الذين ناظروه (وكانوا جمعاً غفيراً)، فكل هؤلاء استحقوا اسم الكفر لقيام الحجة عليهم، ومعلوم أن الإمام ما سكت بعد المناظرة بل بقي يردِّد حججه ويحملها عنه الناس ويفشونها ويكتبونها في الكتب، ويجتهد معه بقية العلماء الذين هم بالعشرات في تدعيم هذه الحجج، حتى ظهرت مصنفات عظيمة وجليلة في الباب، كمصنفات الدارمي وكتاب البخاري «خلق أفعال العباد» و«السنة» لعبد الله و«السنة» للخلال الذي كان يُقرأ في الجامع الكبير في بغداد وغيرها كثير جداً.
وكثير من علماء أهل السنة قاولوا الجهمية وناظروهم وحاججوهم، فليس أحمد لوحده في هذا الباب، فلو تنطعنا جداً في شروط التكفير، لكفر كثير من هؤلاء لما بلغهم من البيِّنات والحجج، التي كان يجتهد أهل الحديث في بثها في كل محفل، مع الوحي الأصلي والفطرة والعقل الصريح لمن نظر بإنصاف.
قال إسحاق بن منصور: "قلت لأبي عبد الله (يعني أحمد ابن حنبل): من يقول: القرآن مخلوق؟ قال: ألحق به كل بلية.
قلت: يقال له (ك - ف - ر). قال: إي والله، كل شر وكل بلية بهم.
قلت: فتظهر العداوة لهم أو تداريهم؟ قال: أهل خراسان لا يقوون بهم. يقول كأن المداراة" «مسائل الكوسج» [3386].
فهذا سؤال عن مطلق الجهمي يستأذن أحمد في إطلاق الكفر على المعين منهم، فيقول له: "ألحق به كل بلية" وهذا عام لكل واحد فيهم.
وقال ابن تيمية كما في «مجموع الفتاوى» [12/206]: "ولهذا عامة كلام أحمد إنما هو يجهم اللفظية لا يكاد يطلق القول بتكفيرهم كما يطلقه بتكفير المخلوقية".
ومع ما قاله ابن تيمية نصَّ أحمد على أن اللفظية ليسوا مسلمين عنده، فما عساه أن يقول في المخلوقية!
كما في «السنة» للخلال: "وسئل عن من يقول: لفظي بالقرآن مخلوق، هو جهمي، ما هم عندي مسلمين والجهمية كفار"، وقد كفَّر جماعةً من أعيانهم كالكرابيسي والشراك، ومقالتهم خير من مقالة الأشاعرة.
وقال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب لما عرضوا عليه كلام ابن تيمية في اشتراط قيام الحجة كما في رسائله الشخصية: "وأما عبارة الشيخ التي لبسوا بها عليك، فهي أغلظ من هذا كله، ولو نقول بها لكفرنا كثيراً من المشاهير بأعيانهم؛ فإنه صرح فيها بأن المعين لا يكفر إلا إذا قامت عليه الحجة. فإذا كان المعين يكفر إذا قامت عليه الحجة" ثم ذكر في ثنايا كلامه أنه يتكلم عن الأشاعرة.
ومصداق عبارة المجدد ما قاله ابن تيمية في «التسعينية»: "ولهذا كان الغالب على أتباعهم (يعني الأشعري والرازي، فهُم أقرب مذكور) الشك والارتياب في الإسلام"، وهذا هو كفر الشك.
وحقيقة مقالة كثير من هؤلاء استحالة قيام الحجة، لذا يرَون أن علماء القبورية الذين ردَّ عليهم علماء أهل السنة بأسمائهم وناظروهم ما قامت عليهم الحجة، إذن تقوم على من؟