حفظوا كلام الحسن فكيف بكلام نبيهم صلى الله عليه وسلم؟
حفظوا كلام الحسن فكيف بكلام نبيهم صلى الله عليه وسلم؟
قال البخاري في التاريخ الكبير: "وقال لي يحيى بن معين، عن عفان، عن أبي عوانة: لما مات الحسن اشتهيت كلامه، فجمعته من أصحاب الحسن، فأتيت أبان بن أبي عياش، فقرأه علي، عن الحسن، فما أستحل أن أروي عنه شيئا".
أقول: الحسن البصري رجل من التابعين أدرك عددًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
والناس لا يعتقدون عصمته وإنما يعتقدون فيه الصلاح وأنه رجل فاضل، جُمِعت آثاره صحيحة الإسناد فكانت بالمئات، وذلك أنه كان صالحًا وفصيحًا مفوَّهًا مع سعة فقهه فحُفِظت أنفاسه.
وقال الدوري في تاريخه عن ابن معين: "سمعتُ يحيى بن معين يقول: سمعت سليمان الشَّاذَكُوني، يقول بالبصرة: هاتوا حرفا من رأَي الحسن إِلا أَنا أَحفظه".
هنا الشاذكوني يتحدى أهل البصرة أن يأتوه بخبر من رأي الحسن لا يحفظه، والبصرة بلد الحسن البصري فأهلها يحفظون رأيه، وما تجرَّأ على تحديهم هذا التحدي إلا وهو يحفظ ذلك حفظًا تامًا.
والاختبار طريقته أن يقولوا له: هل تحفظ قول الحسن في الظهار من الأمة مثلًا؟
فيقول لهم: حدثنا فلان عن فلان عن الحسن أنه قال كذا وكذا.
فإن وهم أو كذب فإنهم يكشفونه وإن أصاب أقرُّوا له بذلك.
والشاذكوني من طبقة أحمد وابن معين وابن المديني وقد كانوا كلهم مثله، وهؤلاء شيوخ البخاري.
فإذا كانت الأمَّة حفظت أقوال الحسن البصري وهو رجل صالح غير معصوم، فما بالك بالنبي صلى الله عليه وسلم.
واعلم أن الفارق الزمني بين وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وولادة الحسن ليس كبيرًا، فالحسن أدرك عمر بن الخطاب، وقيل إنه رضع من أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وكانت أمه خادمةً عندها.
وكلام الحسن لم يُحفظ فحسب بل شُرِح، فإنك إذا فتحت غريب الحديث لأبي عبيد ستجد فصلًا يشرح فيه غريب كلام الحسن البصري.
وما قيل في الحسن يقال في عامة صالحي الصحابة والتابعين، وقد كان المحدثون يحفظون أقوالهم اقتداءً وضبطًا ولئلا يخلطها الضعفاء بأقوال النبي صلى الله عليه وسلم فيمضي صنيعهم.
فهذا الحفظ العجيب لأقوال الفقهاء والصالحين يدلنا على أن الأمر كان أولى في النبي صلى الله عليه وسلم الذي تُعتقد عصمته وحجية أقواله ووفرة أصحابه، وإذا كان أبو عوانة اشتهى كلام الحسن فحمله ذلك على تتبُّعه فكم من مشتهٍ لكلام النبي الكريم صلى الله عليه وسلم.
وقد كان للحسن نظراء مقامهم نحو مقامه، والنبي صلى الله عليه وسلم لا نظير له ولا يغني عنه أحد.