الأشعري المعاصر والإسفاف العلمي
الأشعري المعاصر والإسفاف العلمي
أرسل لي غير واحد من الأخوة مقطعاً لرجل أشعري معاصر شهير كنت قد رددت عليه في السابق في أمر بناء الكنائس وأمر اعتبار النقاب مباحاً فحسب واعتبار ذلك مذهباً معتبراً والواقع أن النقاب قربة فوق المباح باتفاق
وهذا المقطع في أعظم موضوع وهو موضوع صفات الله عز وجل وقبل الخوض في الأمر رسالة موجهة لمن سيتضايقون من الحديث في هذا الملف ويرون مبحث أسماء الله وصفاته أصغر ( تعالى عما يقولون ) من أن يولى الاهتمام
أقول لهم اعتبروا هذا الأمر قضية علمية تخصصية فقد تكلم إنسان بكلام ونسبه لعلماء السلف والخلف وكلامه ( إسفاف علمي ) ينبغي أن يرد عليه ومما اتفق عليه المسلمون والكفار _ خلا شرذمة من الحركيين _ أن الرجل إذا تكلم بباطل في أي مجال من المجالات جاز للمشتغلين بهذا المجال أن يبينوا غلطه
في هذا المقطع ينتهي الرجل إلى أن الناس متفقون على التفويض بمعنى أنهم لا يعلمون معنى نصوص الصفات ثم ذكر أن الأشعرية عندهم طريق ( ثاني ) والواقع هذا طريق أغلبهم وهو تأويل النصوص بصرفها عن ظواهرها
العجيب أنه في هذا المقطع ذم المعتزلة وسماهم معطلة واستشهد بالإمام الترمذي في دعواه التفويض
وإليك كلام الترمذي الذي هو يستشهد به قال الترمذي في الجامع :" وقد قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث وما يشبه هذا من الروايات من الصفات: ونزول الرب تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا، قالوا: قد تثبت الروايات في هذا ويؤمن بها ولا يتوهم ولا يقال: كيف [ص:42] هكذا روي عن مالك، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك أنهم قالوا في هذه الأحاديث: أمروها بلا كيف "، وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة، وأما الجهمية فأنكرت هذه الروايات وقالوا: هذا تشبيه، وقد ذكر الله عز وجل في غير موضع من كتابه اليد والسمع والبصر، فتأولت الجهمية هذه الآيات ففسروها على غير ما فسر أهل العلم، وقالوا: إن الله لم يخلق آدم بيده، وقالوا: إن معنى اليد هاهنا القوة "، وقال إسحاق بن إبراهيم: " إنما يكون التشبيه إذا قال: يد كيد، أو مثل يد، أو سمع كسمع، أو مثل سمع، فإذا قال: سمع كسمع، أو مثل سمع، فهذا التشبيه، وأما إذا قال كما قال الله تعالى يد، وسمع، وبصر، ولا يقول كيف، ولا يقول مثل سمع، ولا كسمع، فهذا لا يكون تشبيها، وهو كما قال الله تعالى في كتابه: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} [الشورى: 11]"
الترمذي هنا يذكر أن تأويل اليد بالقدرة هو قول الجهمية وصاحب الفيديو يذكره قولاً لأهل السنة وهو يستشهد بالترمذي !
ويذم المعتزلة ونسي أن قول المعتزلة في الصفات التي ذكرها في الفيديو هو كقول أصحابه الأشعرية
وإذا كان السلف يفوضون بمعنى لا يثبتون ظواهر الصفات والجهمية ينفون الظواهر بالتأويل لكانوا في حقيقة مذهبهم شيئاً واحداً كالأشعرية المتأخرين الذين رضوا بالمسلكين معاً ولكن الجهمية ذموا المسلمين والمسلمون ذموا الجهمية لأن الخلاف حقيقي
وهذا واضح من قول إسحاق ( التشبيه أن تقول يد كيد ) فهذا واضح في أنه يثبت ظاهر الصفة ولا يوافق الجهمية على اعتبار إثبات الظاهر تشبيهاً يجب تأويله
وصاحب الفيديو جاء إلى المعنى الذي يفهمه كل مسلم من الصفات واعتبره تشبيهاً فقال أن التشبيه يعني اشتراك الصفة الإلهية مع صفة المخلوق بأي معنى من المعاني
وهذا الكلام وإن كان ظاهره التنزيه لكنه عين كلام الجهمية الأوائل ف( الاشتراك المعنوي ) لا يساوي التشبيه فالله عز وجل موجود ونحن موجودون وليس الوجود كالوجود ولكن العدم منتفي في حق الخالق والمخلوق الموجود
وهذا ما يقوله متقدمي الأشعرية في صفتي ( السمع ) و ( البصر ) فهم يثبتون سمعاً لله على معنى السمع المعروف ولكن ليس كسمع المخلوقات وكذلك البصر والحياة والقدرة وغيرها من الصفات ( وإن كان بعض متأخريهم ينكر هذا ولكن كلام المتقدمين واضح )
وهذا ما يفهمه أي مسلم حين يقرأ ( الراحمون يرحمهم الرحمن ) أو ( يحبهم الله ويحبونه )
=