=
=
ودخول هذه المصلحة الدنيوية العظيمة من تحصيل أموال الناس أحد أهم أسباب العناد في كثير منهم والاجتهاد في استدرار العواطف والتلبيس على الخلق. وما ذكره المؤلف عن وصف بعض الهندوس للبراهمي بمصاص الدماء هذا قريب من حال القوم، حتى إن بعض العوام في العراق إذا ضرب المثل بالطمع يقول "طمع سادة"، ويقصد بالسادة هؤلاء المعممين الذين يقبضون الأخماس، علمًا أن منهم من يعطي الفقراء والمحتاجين، ولكن ليس هذا حال أغلبهم. والإشكال عليهم في عدم وجود رواية في الباب، وقد رأيت بعض الإمامية يشتد به العناد فيقول: "حتى لو لم تكن هناك رواية فنحن نعطيهم لأنهم حماة ديننا". والواقع أن المعصومين عندكم حموا الدين وكانوا زهادًا فيما تزعمون، ولا أحد ينكر دعم العلماء وطلبة العلم، هذا إن كان دينكم حقًّا، ولكن المنكَر جعلُ ذلك واجبًا على من يريد ومن لا يريد، وبنسبة ثابتة تفوق كل الزكوات، فهم إن أرادوا الكفاية وقنعوا فعُشر معشار ما يأتيهم يكفيهم.
ولعلَّ ملحدًا سيستروح لهذا الكلام ويقول "انظر علماء الدين يخدعون الناس"، فيقال له إن هؤلاء علماء الضلالة ولا يجوز أن تسويهم بعلماء الحق، بل على أصولك هم ما ضرُّوا أحدًا، ودفَعَ الناسُ أموالهم بإرادتهم لهذه الجهة، والناس لو خُيِّروا بين الإلحاد العدمي ودين فيه خرافية، فكثير منهم سيختار الدين الذي فيه خرافية، لأنه على الأقل فيه غائية وإثبات معنى للحياة وعدم مكابرة لجنس آيات الأنبياء وغيرها من المعاني، وكم من شخص دخل في القيم الغربية فصار لا يرى للكرم والمواساة والمروءة معنى، وتوسَّع حتى دخل في أطوار متقدمة من العدمية. والسلامة كل السلامة بدرء الباطل بالحق لا درء الباطل بالباطل.