كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

إنما السيل اجتماع النقط...

المصدر
إنما السيل اجتماع النقط... قال تعالى: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ ۙ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. كان سبب نزول هذه الآية أن المؤمنين لمَّا دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم للصدقة كان من يأتي منهم بصدقة عظيمة يقول عنه المنافقون: مرائي. والذي يأتي بشيء يسير يقولون: ما يُغني هذا، والله غني عن هذا. قال البخاري في صحيحه 4668- حدثني بشر بن خالد أبو محمد، أخبرنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن سليمان، عن أبي وائل، عن أبي مسعود، قال: "لما أمرنا بالصدقة كنا نتحامل، فجاء أبو عقيل بنصف صاع، وجاء إنسان بأكثر منه، فقال المنافقون: إن الله لغني عن صدقة هذا، وما فعل هذا الآخر إلا رئاء، فنزلت: {الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم} [التوبة: 79] " الآية. وعلى هذا التفسير عامة مفسري السلف. ذكَّرني أحد الأخوة مشكورًا بهذه الآية وتفسيرها لما رأى من استهزاء بعض الناس بحملات المقاطعة قائلين إنها لا تؤثر كبير شيء، وبعضهم يقول هي خاصة بالدول الإسلامية الغنية. فأين أنت من حال ذاك الصحابي الذي تصدَّق بصاع تمر فقط ورجا الثواب من الله، إذا كنت ترى المشروعية في هذه المقاطعة (وهذا الصواب) فلا تحقرن من المعروف شيئًا، فالأمر تعاملٌ مع الله، ولسنا مسئولين عن النتائج الحاضرة، فالمهم القرب من الله وتحقيق الثواب. وحقيقةً هذا أمر متكرر في احتقار المعروف، ليس في هذه الحادثة فحسب بل في كثير من الحوادث، تجد مليون شخص يقول: ما يغني الدينار الذي معي. ويرى أن الفقير إنما خسر ديناره هو فقط، والواقع أننا خسرنا مليونًا بسبب هذا الفكر الذي دخل رأس مليون شخص، وكم فقدنا من جهود عظيمة بسبب احتقار أصحابها لها، ولا يدرون أنهم تراكميًّا يمكن أن يحدثوا فارقًا، وأن الخير كله لا يأتي دفعة واحدة. وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثلًا في أمر تراكم الأشياء في حديث محقرات، يمكن استفادة هذا المعنى منه في حادثتنا من باب القياس. والحديث الذي أريده هو ما روى أحمد في مسنده من حديث سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إياكم ومحقرات الذنوب، فإنما مثل محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بطن وادٍ فجاء ذا بعودٍ وذا بعودٍ، حتى جمعوا ما أنضجوا به خبزهم، وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه". تأمَّل قوله صلى الله عليه وسلم: "جاء ذا بعود وذا بعود". وقد قالوا قديمًا "معظم النار من مستصغر الشرر"، وقالوا "إنما السيل اجتماع النقط". وخيرٌ من ذلك كله قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تحقرنَّ من المعروف شيئًا". وقد فقه الصحابة هذا الأمر. قال أبو عبيد في الأموال: 908- قال: حدثنا الهيثم بن جميل، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن عطاء بن فروخ، أن سائلًا سأل عبد الرحمن بن عوف وعنده تمر فأعطاه تمرة، فتسخطها، فقيل له: ما يصنع بها؟ فقال عبد الرحمن: يقبل الله منها مثقال ذرة وأنتم لا ترضون بهذا؟ قال أبو عبيد: يريد عبد الرحمن قوله: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره}. وقال ابن أبي شيبة: 9913- حدثنا يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أبي مدينة؛ أن سائلًا سأل عبد الرحمن بن عوف وبين يديه عنب، فناوله حبة، فكأنهم أنكروا ذلك. فقال: في هذه مثقال ذر كثير. وروى أبو عبيد في الأموال وابن زنجوية في كتابه من طرق عن عائشة مثل معناه، أنها تصدقت بالقليل وتأوَّلت الأية.