كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

قال عبد الله النديم في مجلة الأستاذ التي كانت تصدر عام 1892 ميلادي :" بلغت درجة

المصدر
قال عبد الله النديم في مجلة الأستاذ التي كانت تصدر عام 1892 ميلادي :" بلغت درجة اضطهاد اليهود بروسيا إلى حالة لا تختلف بكثير عما يقع من الاضطهادات الدينية بأوروبا أثناء القرون الوسطى فقد كان القسوس إذ ذاك يحاكمون بمجالس التفتيش من لم يعتقد فيما جاءت به الكنيسة الكاثوليكية ويقتلونهم صبراً بنواع من العذاب أشهرها الحرق فاهلكت النار خلقاً كثيراً من مسلمي الأندلس ويهودها بل ومن نفس المسيحيين الذين ما تمسكوا بقيد العقيدة الكاثوليكية ولقد انقضت على تلك الفضائع أربع قرون وجاء القرن التاسع عشر بانواره العرفانية وحكمائه وفلاسفتهم فلم يكن بالحسبان ثوران التعصبات الدينية والرجوع إلى الاضطهاد القديم ولكن أبت الأمة الروسية إلى أن تعطي للعالم المتمدن برهان على ما لها من قلة الاكتراثات بحرية الضمير فأوسعت اليهود أنواع العذاب من النهب والقتل ثم طردتهم من كثير من أوطانهم وهاهي الأخبار الأخيرة جاءت بما يفيد أن الروس كشفوا القناع عن مقاصدهم فانذروا تجار اليهود بمدينة موسكو بأنهم لا يسمحوا لهم بتعاطي تجارتهم والإقامة بين أظهرهم إلا متى ارتدُّوا عن دينهم ودخلوا في الديانة النصرانية الاورثوذكسية واشترطوا عليهم الإقامة مدة ثلاث سنين في إحدى القرى المجاورة لمدينة موسكو تحت مراقبة القسوس فمن ثبت بعد تلك المدة حسنُ تمسكه بالديانة الاورثوذكسية سمحوا له بالعود إلى المدينة المذكورة وتعاطي أسباب المعاش فما أشبه هذه الحالة بما كانت عليه الأمم المسيحية في القرون الوسطى ولا أحد يرق لحال أولئك المساكين ولا دولة تأخذ بناصرهم ولو وقع معشار لك في إحدى الممالك الإسلامية لقامت القيامة وامتلأت أعمدة الصحف بالتنديد وتشديد النكير على البربرية والاضطهاد وربما سيقت الأساطيل وحشدت الجنود قياماً بواجب الحرية والإنسانية. (الأستاذ) هل يسمع بحدوث مثل هذا التعصب في الشرق معاذ الله" لقد نسي العالم كله هذه الحادثة ونسي اليهود أنفسهم أن هناك من المنتسبين للإسلام من كان يدين اضطهادهم في روسيا قبل قيام دولتهم والكنيسة اليوم لا أحد يذكرها بجرمها ولاحظ الانتقائية والتحامل على الشرق من ذلك الوقت وروسيا اليوم متقدمة وحليفة لدولة اليهود إسرائيل فهل يمكننا القول بأن التسامح مع الآخر ليس من شروط التقدم فقد تسامح قوم واكتووا بنار من تسامحوا معهم ولم يتسامح أقوام وتناسى الكل ذلك لهم لأنهم أقوياء ! وكان مما قاله عبد الله النديم ويرد عليه نفس التساؤل السابق :" إن حرية الأفكار الموجودة بمصر لا توجد بمملكة أخرى مهما ارتقت مدنيتها فإنك لو مشيت في شارع من شوارع أوروبا وقلت لا إله إلا الله محمد رسول الله لتناولتك الأيدي لكما وضرباً وضعفاً حتى ترجع عن مقالتك أو تموت ولو كتبت رسالة في الدين الإسلامي ونشرتها بين جماعة منهم لجهل ظلام الليل طريقك الذي سرت فيه إلى الآخرة ولكنك في مصر ترى أصحاب الأديان ممتعين بأديانهم والتظاهر بعوائدهم الدينية في أعيادهم وأمام موتاهم ولقد وصلت حرية البروتستانت وغيرهم إلى توزيع الأوراق الدينية على المسلمين في الطرقات والدكاكين ثم انتهت بتوزيع إحدى المبشرات أوراقاً على المجاورين في الجامع الأزهر من غير أن تعارض أو ترى ما يسوءها فإن عدَّت أوروبا ذلك تسامحاً وتساهلاً من الحكومة ولطفاً وحسن معاشرة من الأمة فما لها إذا ذكرنا بيننا في بلادنا ترمينا بالتعصب أفلا نتمتع بالحرية التي تمتعت بها فإن كانت أعطيتها منا ساويناها فيما أبحناه وإن كانت جاءت بها من بلادها أخذناها عنها بطريق التقليد والمشابهة وما على علمائنا لو كتبوا كلمات في أصل العقيدة وطبعوها في أوراق صغيرة ووزعوها في المدن والقرى لانتفاع المسلمين بها مجاراة لعلماء البروتستانت والجزويت فيحسن التقاعد بعد ذلك لا والله أن المتقاعد بعد جد القوم لمن الغافلين" فما أفادت مصر من هذا في تقدمها الْيَوْمَ ملاحدتهم وعلمانيوهم أكثر من يتباكى على اضطهاد النصارى المختلق ولا أحد فيهم يعرف فضلا عن أن ينوه بهذه الحرية التي سبقوا بها الغربيين لأنهم يكرهون أن يظهر بمظهر المتأخر في أي شيء.