كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

تساؤلات وطلب توثيق حول الطريقة البكتاشية

المصدر
تساؤلات وطلب توثيق حول الطريقة البكتاشية معلوم أن الطريقة البكتاشية هي الطريقة المعتمدة في الانكشارية (جنود الدولة العثمانية) وفِي زماننا هذا كثُر الجدل حول هذه الدولة وجيوشها لاعتبارات الإسقاطات السياسية وفِي مثل هذا السياق قلَّ أن تجد بحثًا منصفًا وجادًّا وإنما تجد فوائد متفرقة هنا وهناك. وقد وجدت كلامًا في موسوعة الصوفية لعبد المنعم الحنفي (وفيها جهد لا بأس به بالتعريف بالصوفية وفرقها وأعلامها ونقادها) وعيب كلامه أنه يعتمد على المستشرقين، ولكن في الطريقة البكتاشية بالذات المصادر العربية شحيحة لذا سأورد كلامه، وأذكر ما عندي من قرائن على إمكانية صدقه وما سواه فأنا مستبعد لصحته حتى إشعار آخر. جاء في موسوعة الصوفية لعبد المنعم الحفني: "البكتاشية: طريقة الدراويش البکتاشية التي كانت منتشرة بين الانكشارية حتى أن معنی البكتاشي كان ينصرف إلى الإنكشاري، وكانت من الحركات الدينية التي لها أهميتها البالغة في شرقي آسيا الصغرى وکردستان وألبانيا والشام وفارس ومصر، وكانت لهم بجبل المقطم تكية، وتنسب هذه الطريقة لحاج بکتاش ولي واسمه محمد رضوي، وقيل إنه ولد بنيسابور ودرس على أحمد شوي، وقيل إن وفاته كانت سنة ۷۳۸ هـ، إلا أن هذه السنة هي المقابل لكلمة بكتاشية في حساب الحروف كما يعتقد أصحاب هذه الطريقة. وتنسب له کرامات عظيمة، وقيل عنه إن الإنكشارية كلهم أسلموا على يديه في عهد أورخان، وصاروا على طريقته في التصوف، وهي طريقة تقوم على التقشف والنظام الصارم، وتقول بالمساواة بين الأديان. ومن البكتاشية من هم على عقائد السنة، ومنهم علويون ينتصرون لآل البيت ويذمون أبا بكر وعمر وعثمان کما يفعل الشيعة، ويعترفون بالأئمة الإثني عشر وينزلون الإمام جعفر الصادق منهم منزلة خاصة، وشعارهم «الله. محمد. علي»، ويرى المستشرقون أن ذلك منهم كالتثليث، کما يَرَوْن أن التزامهم شرب النبيذ والتقوت بالجبن والخبز عناصر نصرانية يفسرونها عندهم بأن البكتاشية أو حاج بکتاش ولي ربما كان في الأصل نصرانيًّا وأسلم، وذكرهم فيه الرقص، وشيوخهم يدعون البابا ويتلقون منهم المغفرة، ومنهم من يبلغ زهده حد العزوف بالكلية عن الدنيا والركون في التكايا وعدم الزواج، ويميز المصرُّون على العزوبية أنفسَهم بلبس الأقراط في آذانهم ولهم مشايخهم، والبکتاشي الدرویش يقال له المريد، والملتحق بتكية البكتاشية يقال له منتسب، ولباسهم عباءة بيضاء وطاقية يقال لها سكة، مثلثة وأطرافها بعدد الأئمة، والبابا أو الشيخ يلف حولها عمامة خضراء، وحول رقابهم حجاب من الحجر يقال له تسليم تاش، ويضعون في أيديهم عصا طويلة ويتسلحون ببلطة ذات حدين، وهذه الخصيصة فيهم وميولهم القتالية ربما كانت سبب إقبال الإنكشارية على الدخول في طريقهم، أو ربما كانت من تأثير دخول الانكشارة في الطريقة، حتى أن الانكشارية كان يقال لهم أبناء الحاج بکتاش، وكان مشایخ فرق الانكشارية العسكرية المنتشرة في العالم الإسلامي ومن الإمبراطورية التركية من دراویش البکتاشية، وقد لعبت طريقة البكتاشية دورًا كبيرًا في الفتن السياسية والدينية والتحولات الاجتماعية ، وقيل إن الآراء التحررية في ثورة أتاتورك الخاصة بالمساواة بين الأديان وعدم حجاب المرأة هي من تأثير معتقدات البكتاشية، وربما لذلك كان إقبال البکتاشية على الأفكار التقدمية عمومًا. ويرأس خالد بكتاش الحزب الشيوعي السوري، ويضم بين أعضائه بقايا العناصر الانكشارية في هذه البلاد. وللبكتاشية مصطلحات ينفردون بها مثل «التولية والتبرية»، ومعنى التولية مشایعتهم لآل البيت، وأما التبرية فهي التبرئة من غيرهم. والولاية عندهم أربعة: وهي الشريعة والطريقة والمعرفة والحقيقة، والمقامات أربعون لكل باب عشرة مقامات. وأئمتهم سبعة عشر، يسمونهم بالمتحزمين أو الكمرسته، وهم أصحاب علي بن أبي طالب الذين خرجوا معه. وفي كل ذکر يوضع عدد من الفراء في أماكن خاصة بطريقة خاصة، ترمز لولى من الأولياء، وتسمى بوست. ومن أشهر أدعيتهم الدعاء الذي يطلقون عليه اسم «دعاء علي» ويقول: يا علي! یا علی أدرکني يا علی أدرکني يا إيليا يا أبا الحسين! يا أبا تراب! يا ذا الجلال والجمال والهيبة والكمال!" أقول: هناك عدة نقاط أود التعليق عليها هنا الأولى: فكرة المساواة بين الأديان فكرة ملتبسة ولا نعرف ما الذي يريدونه منها ولكن الأمر ليس مستبعدًا، فالتتر كان هذا مذهب كثير منهم، اعتبار اليهودية والنصرانية والإسلام كالمذاهب الفقهية عند المسلمين، وكما تمسك كثير منهم بالياسق حتى بعد إسلامهم لا يُستبعد أيضا تمسكهم بهذه الفكرة ولو بصورة مخففة (وهي ضمن الياسق) والبكتاشية منهم تتريون ومتأثرون بهم كما هو ظاهر. وهذا الإمبراطور المغولي محمود أكبر الذي يضرب به العالمانيون في الغرب المثال في التسامح الديني (بزعمهم) كان حفيد تيمورلنك ونسب تيمورلنك في التتر معروف. هذه قرائن قد تجعلنا نبحث بجدية في صحة الدعاوى الواردة في المقال. = = الثانية: موضوع النبيذ لعل له أصلًا بسبب المذهب الحنفي وليس النصرانية ولكن الأمر تطور للخمر الصريح في كثير من الانكشارية. قال صاحب كتاب تاريخ الدولة العلية العثمانية: "السلطان الغازي مرادخان الثالث وضع الحماية على بولونيا ولد هذا السلطان بالقسطنطينية في 5 جمادى الأولى سنة 953 هـ 4 يوليه سنة 1546 وكانت فاتحة أعماله أن أصدر أمرًا بعدم شرب الخمر الذي شاع استعماله أيام السلطان السابق وأفرط فيه الجنود خصوصًا الانكشارية، فثار الانكشارية لذلك واضطروه لإباحته لهم بمقدار لا يترتب منه ذهول العقل وتكدير الراحة العمومية". الثالثة: موضوع التشيع هذا مقطوع بوجوده في البكتاشية فالناس متفقون على نسبتهم لذلك، وهذا موجود في المغول، فهذا أورينك زيب الذي يُعَدُّ من أعدلهم كان متشيعًا يُفضل عليَّا على بقية الصحابة. ولكن النقاش في درجة التشيع هل وصلت إلى مستوى الرفض وسب الصحابة أم هو في تفضيل علي على بقية الصحابة فحسب. ثم ما هي عقيدتهم في علي بن أبي طالب وأبنائه فتلك الاستغاثات توحي بعقائد شركية شديدة حتى في باب الربوبية (وهذا بحث مختلف عن أمر الإمامة والتفضيل وهو بحث مقامات أهل البيت، ولعدد من غلاة الإمامية والصوفية عقائد فاسدة جدًّا في هذا الباب، وكثير من الباحثين لا ينتبهون لهذا الباب ويحصرون الخلاف في باب الإمامة والتفضيل). وعلى كل حال لا يمكن اعتبارهم من الماتردية والحال هذه، ولهذا قلت لبعض المولعين بتمييع الخلاف العقائدي تقديرًا للجهود العسكرية لبعض المخالفين العقائديين: الانكشارية لا يمكن أن يحسبوا على أهل السنة (بالمعنى العام)، ولا على الإمامية لأنهم خليط، وبالتالي ذكرهم في سياق تعديد إنجازات القوم غلط، علمًا أن الماتردية يختلفون اختلافات شديدة عن الأشعرية، وإن سهَّل بعض المتأخرين في ذلك. والعجيب أن عددًا ممن يُسهِّل في شأن بعض الناس بحجة الإنجاز العسكري يُشدِّد جدًّا في شأن الأمويين ولَم تعرف الأمة بعد الراشدين مثل إنجازاتهم العسكرية، وكذلك هناك محمود الغزنوي فاتح الهند ومعروف موقفه الشديد من المتكلمين إلى حد اللعن على المنابر.