السلام هبة الحروب!
السلام هبة الحروب!
حين يقرأ بعض الناس في التاريخ ويجد حروبًا كثيرة، ثم ينظر في الواقع فيرى أنها قلَّت نسبيًّا (وهذا غير دقيق)، ويرى الناس دائمًا يتكلمون عن الحلول السلمية..
ربما ظن أن البشر تحضروا وتقدموا عن نظرة البشر السابقين، ثم يبشِّر بهذا التحضر المزعوم، وينظر للتاريخ بسخط شديد، ويلوم أهله إذ لم يصلوا إلى وعي البشر الحاليين في فهم قيمة السلام. والواقع أن الأمر ليس كذلك.
ولكن الحروب التي حصلت في القرن الماضي والتطور الرهيب في الأسلحة أدى إلى التأني الشديد في اتخاذ قرار الحرب من الدول الكبرى إذا كان المقابل يملك قوة مقاربة، فالأمر صار مكلفًا جدًا وخطيرًا جدًّا أكثر من أي وقت آخر.
واكتفوا بحروب باردة ومكائد وإشعال حروب في بلدان أقل قوة في التسليح والاكتفاء بالدعم.
هذه الفكرة ليست فكرتي وإنما هي فكرة فرانسوا شاتليه صاحب كتاب تاريخ الأيديولوجيات، وهو فيلسوف ومؤرخ فرنسي.
يقول شاتليه في كتابه المشار إليه:
"ينظم التعايش السلمي، في معانيه المتنوعة، لعبة وحدات كاملة التحديد -الدول- بموجب مكانها المتفاوت الارتفاع في سلم القوة النووية. فيسود من هو قادر على إفناء نفسه والآخرين: وتقتصر اللعبة على تواجه دول رهانها الرئيسي هو أن تبقى حية. وتتخذ، ضمن هذه الحدود، حقيقة نسبية لأن الدولة الحديثة، مهما كانت متبجحة ومهما كانت استبدادية ومهما كانت ديكتاتورية، تتردد عندما يلوَّح لها بموتها المؤكد: "يمكن أن تحصل على الأمن ضد كل ما هو غريب، ولكن الموت يجعلنا نسكن، جميعًا، نحن البشر، في مدينة لا أسوار لها" (ابيكور) . والجديد إطلاقًا، الطفرة الغريبة التي أدخلها السلاح النووي هما تأكيدهما، في نظر أعند الناس، المبدأ التالي: الدول، كلها، حيوانات فانية. والجانب المذهل من الخبر يسمح بقياس الخلود الذي تنسبه الدول إلى نفسها عادة".
ويقول أيضًا: "والخلفية الواقعية للتعايش السلمي الحديث تعود إلى التحويل النووي لسياسة الدول الكبرى، والإرادة المعتمدة للتلويح بالخطر النووي في المدى الكامل للنزاعات المحتملة تبدو، على هذا النحو، أداة لهيمنة الكبار وترتيبًا لبقية العالم في الوقت نفسه. وسوف يجد التفاؤل والتشاؤم، معًا، في ذلك مادة لتغذية ضروب هوسهما".
تأمَّل قوله: "الخلفية الواقعية للتعايش السلمي الحديث تعود إلى التحويل النووي لسياسة الدول الكبرى".
لا تهمني دقة الفكرة بقدر ما يهمني التنبيه إلى أن الأحوال التي نعيشها اليوم لا ترتبط بقيم متعالية اكتشفها البشر فجأة وقهروا الشر في أنفسهم لأجلها، تلك فكرة موغلة في السذاجة، ومحاكمة التاريخ والتراث الذي كان يتعامل مع الواقع على اتساع خياراته بهذه العقلية نوع من الطفولية الفاشية بين المثقفين في زماننا.