كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

وكم منا كأبي صالح المؤذن!

المصدر
وكم منا كأبي صالح المؤذن! جاء في كتاب بغية الطلب في تاريخ حلب لابن العديم (2/1010): "وقرأت بخطه [يعني أبا جعفر] أيضا: سمعت الشيخ الصالح أبا الحسن بن أحمد الكوار البسطامي يقول: سألت الله أن أرى أبا صالح المؤذن في المنام، فرأيته ليلة على هيئة صالحة، فقلت له: أبا صالح أخبرني عن ما عندكم، فقال: يا حسن كنت من الهالكين لولا كثرة صلاتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أين أنتم عن الرؤية واللقاء؟ فقال: هيهات قد رضينا منه بدون ذلك، فانتبهت ووقع علي البكاء". أقول: أبو صالح المؤذن أحد رجالات الحديث، سمع من ألف شيخ ولهذا كان يكثر الصلاة على النبي ﷺ وكان يذبُّ الكذب عن حديث رسول الله ﷺ. رأوه في المنام فقال لهم لولا كثرة الصلاة على النبي ﷺ لكنت من الهالكين. وداعي تلك الكثرة أنه عني برواية الحديث وسماعه. وسألوه هل لقيت أو رأيت الله عز وجل؟ فأخبر الرائي بأن ذلك بعيد عليه وأنه رضي بالسلامة من العذاب لما رأى الأهوال (ولا يوجد مؤمن لن يرى الله غير أن الكلام على التعجيل، وقد يكون المراد رؤية النبي ﷺ ولكن إطلاقها يوحي أنها في رؤية الله عز وجل). لا أخفي القارئَ أنني استشعرت نعمة الذكر حين قرأت هذا الأثر، فمن نعمة الله عز وجل أن جعل لنا هذه العبادات الخفيفة على اللسان الثقيلة في الميزان، وقد نبه النبي ﷺ لأن الناس يستهينون بها. وهذا المؤذن قضى حياته في الخير وقال لولا الصلاة على النبي ﷺ لكنت من الهالكين. لا أريد التقنيط ولكن ما عسانا أن نقول. حياة أهل العلم لا تخلو من شر، فمنهم من ينصر بدعة ومنهم من يبغي على الخصوم ومنهم من يُبتلى بالرياء، غير أن الطاعات إذا تزاحمت على المرء أوشك أن تنقذه واحدة منها كما حصل مع المؤذن. لا يدري أي أحد منا أي شيء سيكون مُنقِذَه في وقتٍ تذهب فيه كل الاعتبارات المادية والاجتماعية والمناصب وتبقى الحسنات والسيئات فقط. يقام ميزان غير الموازين التي كنا نزن بها الناس في الدنيا. لو تأمَّل المرء منا في ذنوبه على أنها ستؤخِّر رؤية الله عز وجل عنه لاستصغرها واحتقرها ومقتها، ولكنه حجاب كثيف يحول بيننا وبين رؤية الأمر على ما هو عليه.