كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

ليس تشدداً وإنما صيانة للأمة !

المصدر
ليس تشدداً وإنما صيانة للأمة ! المتأمل في النصوص الشرعية يرى أن الله عز وجل لا يكلف نفساً إلا وسعها هذا وأن المعاصي ضررها عظيم على الناس ومن تأمل أحوال الناس وجد المعاصي يدعو بعضها بعضاُ بشكل عجيب حتى أنك لا تكاد تجد إنساناً أدمن معصية ما يقف على حاله فإما يزيد فيها وإما يتركها ومن فهم هذه المقدمات يفهم عظمة فقه سد الذرائع لأنه يعين الناس على البعد عما يضرهم وبما لو تلبسوا به لشق عليهم تركه فهو في حقيقته رحمة بالناس أيما رحمة فهو بمنزلة حماية الإنسان من مرض لو أصابه لتمكن من معالجته ولكن في علاجه من تجرع المرار والشدة ما هو بغنى عنه لو كان ابتعد عن أسباب المرض والذي لا يعرفه كثير من الناس أن سد الذريعة في الشريعة يقوى كلما كان الناس أكثر تطلباً للمعصية أو نظائرها وهذه قاعدة في الشرع أن كل ما له دافع طبعي لا بد فيه من وازع شرعي ويمثل الفقهاء بالحدود فيقولون شرب البول _ أجلكم الله _ لا حد فيه مع أنه أخبث من الخمر لأن الخمر النفوس تطلبها بخلاف البول وهذا ينبغي أن يراعيه الفقيه والمشاهد اليوم في بعض المفتين أنه كلما رأى الناس يقبلون على شيء تطلب لهم الرخص أو سهل لهم في ذرائع هذا الحرام ويقول هذا مما تعم به البلوى ! وإنما تعم البلوى بهذا التساهل حتى يتلبس الناس بالشر قال ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى (21/484) :" الوجه الثالث: أن يقال الصحابة كانوا أطوع الناس لله ورسوله ولهذا لما حرم عليهم الخمر أراقوها فإذا كانوا مع هذا قد نهوا عن تخليلها وأمروا بإراقتها فمن بعدهم من القرون أولى منهم بذلك فإنهم أقل طاعة لله ورسوله منهم. يبين ذلك أن عمر بن الخطاب غلظ على الناس العقوبة في شرب الخمر حتى كان ينفي فيها لأن أهل زمانه كانوا أقل اجتنابا لها من الصحابة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فكيف يكون زمان ليس فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا ريب أن أهله أقل اجتنابا للمحارم فكيف تسد الذريعة عن أولئك المتقين وتفتح لغيرهم وهم أقل تقوى منهم" ابن تيمية هنا يتكلم عن تخليل الخمر الذي نهي عنه في السنة وأنه ما دام نهي عنه في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين الصحابة الذين هم أطوع الناس سدا للذريعة فسد الذريعة فيمن هم أبعد عن طاعة الله منهم أولى وأولى فهذا عمر رفع عقوبة الخمر من أربعين إلى ثمانين لما اختلط الناس بالعجم الذين يكثر فيهم شرب الخمر ولو سار الناس على نهج أهل الحديث في الاحتراز من الأشربة المسكرة وسدوا الذريعة فيها لارتاحت الأمة من بلاء عظيم كثر في الأعصار المتأخرة وانظر كتب المجان وأهل الأدب تنبيك بالخبر وحقا الخمر أم الخبائث تأتي ببقية الفواحش معها وقد أقبل عدد من أهل الدنيا على مذاهب أهل الرأي وهي أخف المذاهب في الأشربة وجعلوها ذريعة إلى الدخول في هذا البلاء والزيادة في أمور لا يبيحها صاحب رأي ولا صاحب حديث واعتبر كلمة الشيخ هذه في أمرين الأول : أحكام النساء والحجاب وعلاقتهن بالرجال فالأمر في زماننا من أشد ما يكون في الفتنة فالزواج صار يتأخر كثيراً والمحرمات ميسرة ومهيجات الغرائز تحيط بالشباب من كل جانب حتى أنني لأرجو للعفيف والعفيفة أجراً عظيماً مضاعفا لعظم البلاء فبعض الناس لم يكتف بِمَا في كتب المتقدمين من الرخص في هذا الباب - وهذا لوحده فيه ما فيه من البلاء فالفقهاء لا يرخص أحدهم بشيء الا ويجعل معه عزيمة أما جمع كل رخصهم دون أي عزيمة فذلك ذهاب الدين - بل صار يزيد من عنده وتحصل من ذلك بلاء عظيم الثاني : أمر التشبه بالكفار ونحن في زمان الهزيمة النفسية وجلد الذات ، وقد نهي الصحابة عن التشبه بهم وهم أبعد الناس عن لين القلوب لهم ، ومع ذلك تجد من يسهل في هذا الباب حتى أنك لتجده يرى الأمر في الناس يفعلونه تشبها فيغض الطرف عن هذا ويفتي بالإباحة دون النظر لأمر التشبه فيقال له كما قال الشيخ : إذا كان الصحابة الذين جالدوا الكفار على الإسلام نهوا عن التشبه بالقوم وهم أبعد الناس عن التأثر بهم قلبياً فما بالك بنا نحن وآثار القوم على عقولنا ظاهرة.