كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

ماذا لو كان الأمر معكوساً؟ (التدخين من عادة صحية إلى شيء قاتل).

المصدر
ماذا لو كان الأمر معكوساً؟ (التدخين من عادة صحية إلى شيء قاتل). كيف تحول التدخين من "عادة صحية" إلى "قاتل صامت"؟ هذا عنوان مقال نشر في البي البي سي العربية بتاريخ 31 مايو 2019 وهذا نص المقال: [يقتل التبغ نصف مستهلكيه، بحسب منظمة الصحة العالمية. وتشير بيانات إلى أن 6 ملايين شخص يموتون كل عام نتيجة الاستهلاك المباشر للتبغ، بينما يموت نحو 900 ألف شخص من غير المدخنين بسبب التدخين السلبي. لكن طيلة قرون مضت كان التدخين يُعتبر عادة صحية، فيما كانت نبتة التبغ تُلقّب بـ"العشبة المقدسة" و"العلاج الرباني" في القرن السادس عشر. وكان الباحث الطبي الهولندي، جيل إيفرارد، يعتقد، مثلما كان سائدا وقتها، أن التبغ يقلل الحاجة إلى الاستعانة بالأطباء. ويصف في كتابه "باناسيا"، أو العلاج من كل الأمراض، عام 1587 فضائل التبغ وتدخينه باستخدام الغليون، قائلا "كل نفثة منه تعتبر مضادا لجميع السموم والأمراض المعدية". ويعد أول أوروبي شاهد محاولة استعمال التبغ لأغراض طبية هو البحار كريستوفر كولومبس، حسب مقال كتبه البروفيسور آن تشارلتون في مجلة الجمعية الملكية للطب. فقد لاحظ تدخين التبغ في الغليون في الجزر التي تسمى اليوم كوبا وهايتي والبهاما. وفي بعض الأحيان كانت تحرق أوراق التبغ لتطهير المكان وإبعاد الأمراض والتخلص من التعب. وكان التبغ، مخلوطا بالجير أو الطباشير، يستعمل في البلاد التي تسمى اليوم فنزويلا لتنظيف الأسنان، ولا تزال هذه العادة موجودة اليوم في الهند. وهناك أمثلة أخرى عن استعمال التبغ لأغراض طبية، من بينها تلك التي وصفها المستكشف البرتغالي، بيدرو ألفاريس كابرال، الذي وصل إلى البرازيل عام 1500 فقال إن نبتة التبغ كانت تستعمل في علاج أمراض مثل الدمل أو الأورام الحميدة. وفي المكسيك، علم المبشر برناردينو ساهاغون من الأطباء المحليين قديما أن أمراض غدد الرقبة يمكن علاجها بإحداث فتحة ثم وضع أوارق التبع المطحونة الساخنة في موضع الجراحة. وكان الاعتقاد السائد أن الدخان يحميهم من أجسام غير مرئية تحمل المرض. وكان المكلفون بدفن الجثث يدخنون الغليون أيضا لإبعاد الوباء عنهم. لكن كان هناك مَن شككوا في فعالية استعمال التبغ في العلاج، إذ كتب الطبيب الانجليزي، جون كوتا، الذي له مؤلفات عديدة في الطب والسحر عام 1612 أن النبتة التي كانت تعتبر علاجا لكل الأمراض قد يظهر أنها "وحش يسبب العديد من الأمراض". وعلى الرغم من التحذيرات فإن الطلب على التبغ بقي كبيرا وكان العطارون حريصون على تخزينه في متاجرهم. ومن بين استعمالات التبغ الغريبة هو نفخ دخان التبغ في مؤخرة ضحايا الغرق. فالأطباء كانوا يعتقدون أن الدخان يعالج الزكام والشعور بالدوار، ويوفر الدفء ويحفز الجسم. وكانت تنتشر أجهزة نفخ الدخان على طول نهر التيمز من أجل الطوارئ. وكان نفخ دخان التبغ في الأذن يستعمل لعلاج آلام الأذن أيضا في القرن 18. وبعد عزل النيكوتين من أوراق التبغ عام 1828 بدأ الأطباء يشككون في استعمال التبغ في أغراض علاجية. لكن استمر استعمال عقاقير تحتوي على التبغ، من بينها علاج الإمساك ونزيف البواسير. وعندما بدأت القلق من تأثير التدخين على الصحة يتزايد في العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي حاولت شركة سجائر "كامل" قدمت تطمينات لزبائنها بادعائها أن الأطباء يوصون بالتدخين وأنهم يدخنون سجائرها. وقالت الشركة أيضا إن المغنين يوصون بالتدخين "لتنظيف أنسجة الحنجرة". وتبين في الثلاثين عاما الأخيرة ضرر التدخين على الصحة، مثلما هو ضرر التدخين السلبي. وهو ما دفع العديد من الدول إلى منع التدخين في الأماكن المغلقة. واستعملت حملات التوعية أساليب صادمة لتوصيل رسالتها إلى عامة الناس. فقد فرضت بعض الدول على شركات التبغ وضع صور صادمة لمرض سرطان الرئة وأمراض الأوعية الدموية وأمراض أخرى يسببها التدخين على علب السجائر. ففي انجلترا وضعت دمية لتوعية الحوامل بمخاطر التدخين على الجنين. وظهرت في السنوات الأخيرة السيجارة الالكترونية لتحل محل التدخين التقليدي. ويتم شحن السيجارة الالكترونية ببطارية تسمح للمدخن باستنشاق النيكوتين في بخار بدل دخان التبغ. ولا تنتج السيجارة الالكترونية القطران أو أول أكسيد الكربون، وهما من أخطر العناصر في دخان التبغ، ولكنها ليست خالية من الضرر، حسب هيئة الصحة العامة في بريطانيا، وهي محل جدل واسع. التدخين ومرض السكري يهددان قلب المرأة أكثر من الرجل السمنة هي التدخين الجديد في التسبب بإصابة النساء بالسرطان فقد تعرضت شركة فيليب موريس، وهي أكبر شركة سجائر في العالم، تستثمر في السجائر الالكترونية إلى متابعات قضائية بتهمة استهداف الشباب على مواقع التواصل الاجتماعي من خلال حملاتها الدعائية. كما لاحقت هيئات ضبط الأسواق في الولايات المتحدة البائعين الذين يسهلون حصول الأطفال والمراهقين على السيجارة الالكترونية.] = = أقول: خلاصة هذا المقال أن التبغ كان الناس في أوروبا يرونه صحياً لمدة طويلة بل وكانوا يستخدمونه في أغراض علاجية ولم يتم كشفه تمام الكشف إلا في القرن العشرين. وأكتشف أنه قاتل صامت وخطير جداً، حين تقرأ هذا تذكر تسهيلات بعض الأطباء في أمر الحشيش هذه الأيام، وتساءل ماذا لو كان الأمر معكوساً: فكان المشايخ والعلماء يعتقدون أنه لا بأس به ثم اكتشف الطب أنه خطير، أو كانوا يعتقدون أنه خطير واكتشف الأطباء أنه سليم. ألن تكون حجة يرددها كل علماني كلما أوردت عليه أمراً قال لك: أنتم كنتم تحرمون التدخين ثم منكم من أباحه أو منكم من يدخن الآن! إلى آخر هذه الحجج الضعيفة. وحقا هناك مشايخ وعلماء أفتوا بحرمة التدخين قبل القرن العشرين الذي انكشف به الأمر تمام الكشف بعد نزاع شديد وطويل. فهذا عبد الله أبو بطين ( 1194 - 1282 هـ = 1780 - 1865 م) له فتيا كما في الدرر السنية يفتي بحرمة الدخان، وقد توفي كما ترى قبل دخول القرن العشرين ويقول في تلك الفتيا: "الذي نرى فيه التحريم لعلتين: إحداهما: حصول الإسكار فيما إذا فقده شاربه مدة ثم شربه وأكثر، وإن لم يحصل إسكار؛ حصل تخدير وتفتير، وروى الإمام أحمد حديثاً مرفوعاً: أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن كل مسكر ومفتِّر، والعلة الثانية: أنه منتن، مستخبث عند من لم يعتده، واحتجَّ العلماء بقوله: {ويُحرَّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ}، وأما مَن ألفه واعتاده؛ فلا يرى خبثه؛ كالجعل لا يستخبث العذرة" ولا شك أنه في تلك المدة وجد من يرميه بالتشدد، وهناك من أفتى بإباحة الدخان، ولكن الآن حجة المحرمين من كل المذاهب قوية جداً ومعهم منظمات الصحة العالمية، هذا الذي أفتى به هذا الشيخ والنجم الغزي تشهد به المنظمات العالمية. ولو كان الأمر معكوساً فكان الأطباء يمنعون والشيوخ يبيحون لقالوا الشيوخ عرضوا حياة الناس للخطر. لكن هنا لن تجد كثيراً من المنافقين يقول أن هذه الفتيا أنقذت حياة الآلاف من الناس، فهم فقط يريدون إظهار الشيوخ والعلماء بصورة سوء، ونعم هم ليسوا معصومين ولكن القوم يتحاملون عليهم ويريدون النيل من الشريعة من خلالهم. ولكي لا يخدعك أحدهم ويقول لك هؤلاء الشيوخ يحرمون كل شيء جديد، في الكتاب نفسه الدرر السنية يوجد فتيا لزميل عبد الله أبو بطين وهو الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ يرد فيها على من يحرم القهوة. وهنا أيضاً إفادة: كثير من شيوخ الصوفية حرموا الدخان ومنهم من أباحه واجتهد في إباحته. قال ابن عابدين في حاشيته على الدر المختار: "وألف في حله أيضا سيدنا العارف عبد الغني النابلسي رسالة سماها (الصلح بين الإخوان في إباحة شرب الدخان) وتعرض له في كثير من تآليفه الحسان، وأقام الطامة الكبرى على القائل بالحرمة أو بالكراهة " إلى أن قال معلقاً على مرسوم السلطان العثماني بالمنع من الدخان: "قال سيدي العارف عبد الغني: ليت شعري أي أمر من أمريه يتمسك به، أمره الناس بتركه أم أمره بإعطاء المكس عليه، وهو في الحقيقة أمر باستعماله على أن المراد من أولي الأمر في الآية العلماء في أصح الأقوال كما ذكره العيني في آخر مسائل شتى من شرح الكنز. وأيضا هل منع السلاطين الظلمة المصرين على المصادرات وتضييع بيوت المال وإقرارهم القضاة وغيرهم على الرشوة والظلم يثبت حكما شرعيا. وقد قالوا: من قال لسلطان زماننا عادل كفر" ابن عابدين معاصر لأبو بطين وقد زعم أن (المعتمد) في المذاهب إباحة الدخان وكلامه ليس صحيحاً ولكن يبدو أن شماعة (المعتمد) كانت تستخدم من ذلك الوقت ، وقد كان الأمر بحثاً اجتهادياً قبل ثبوت الضرر القطعي، فأي (اعتماد) يمكن أن نتحدث عنه! الله المستعان. ولك أن تتخيل أن الأمر معكوس، أو أن الدخان ما تكلمت المنظمات العالمية عن ضرره، لعلك ستجد فتيا أبو بطين هذه منشورة في عامة مواقع نقاد السلفية المعاصرة لبيان تضييقهم على الناس في أمر دينهم!