في رحاب القائد الفاتح العابد المنسي..
في رحاب القائد الفاتح العابد المنسي..
قال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 2173: «الجراح بن عَبد الله الحَكمي، وهو من سَعد العشيرة، أَبو عقبة من اليمن، شامي الأصل حِمْصي، كان واليا على خراسان والبصرة، ولاه يَزيد بن المهلب.رَوَى عَن ابن سِيرين. رَوَى عَنه: يَحيَى بن عطية، وصَفوان بن عُمرو.
سَمِعتُ أَبي يقول ذلك».
الجراح الحكمي هذا كان قائداً فاتحاً ومعروفاً بالعبادة والصلاح في زمن الأمويين.
قال خليفة بن خياط في تاريخه:
«ولاية الجراح على أرمينية وفتح بلنجر وفيها عزل يزيد بن عبد الملك معلق بن صفار عن أرمينية وولاها الجراح بن عبد الله الحكمي فغزا الجراح فافتتح بلنجر يوم الأحد لثلاث خلون من شهر ربيع الأول سنة أربع ومائة ثم لقي الجراح ابن خاقان دون الباب فرسخين على نهر أران فاقتتلوا قتالا شديدا فانهزم ابن خاقان وتبعهم المسلمون يقتلونهم فقتلوا جمعا كثيرا وسبوا
فحدثني أبو خالد عن أبي البراء النميري قال سأل أهلها الجراح الصلح على أن يحولوهم وينزلهم رستاق حيزان فحولهم ثم سار إلى رستاق يزعو فأقام أياما وسألوه الصلح على أن يحولهم إلى رستاق فيلة.
قال أبو براء أخبرني سوادة وكان شيخا صدوقا قال كنا مع الجراح ببلنجر فخرج رجل من المسلمين فقال من يشري لله نفسه فأجابته جماعة ما بلغت عدتهم ثلاثين رجلا فكسروا جفون سيوفهم وشدوا على عجل الربض فأجلوا الرجال عنها وأخذوا عجلة وكانت العجل موصولة بعضها ببعض فلما انحدرت العجلة تبعها بقية العجل حتى صارت كلها في عسكر المسلمين وهي نحو من ثلاث مائة عجلة ثم شدوا على أهل بلنجر فخرج القوم من الباب وأفلت صاحب بلنجر».
أقول: وبلنجر مدينة تقع على بحر الخزر شمالي باب الأبواب (دربند) في الطرف الأقصى للقوقاز.
وقال خليفة بن خياط أيضاً: «وفيها زحف جابان في جمع كثير من الترك نحو أرمينية وزحف الجراح بن عبد الله الحكمي فالتقوا بموضع يقال له الزم بين الكر والرس في شهر رمضان فاقتتلوا أياما ثم هزم الله المشركين».
وقال أيضاً في أحداث 106 هـ: «وفيها غزا الجراح بن عبد الله الحكمي من بلاد أرمينية فحدثني أبو خالد عن أبي براء النميري قال أوغل الجراح بن عبد الله الحكمي في أرض الخزر فصالحته اللان وأعطوه الجزية والخراج وهو أول من قفل من باب اللان».
وقال الطبري في تاريخه: «سنة خمس ومائة
(ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث) فما كان فيها من ذلك غزوة الجراح بن عبد الله الحكمي اللان، حتى جاز ذلك إلى مدائن وحصون من وراء بلنجر، ففتح بعض ذلك، وجلى عنه بعض أهله، وأصاب غنائم كثيرة».
وقال خليفة بن خياط في أحداث سنة 111هـ: «قال أبو خالد قال أبو الخطاب تولى الجراح الولاية الثانية في سنة إحدى عشرة ومائة فأتى تفليس فأغار على مدينة للخرز يقال لها البيضاء فافتتحها ثم انصرف».
وقال الطبري في تاريخه في أحداث سنة ١١٢هـ «وفيها سار الترك من اللان، فلقيهم الجراح بن عبد الله الحكمي فيمن معه من اهل الشام واذربيجان، فلم يتنام إليه جيشه، فاستشهد الجراح ومن كان معه بمرج أردبيل».
قال الذهبي في تاريخ الإسلام:
«قال أبو مسهر: حدثني شيخ من حكم قال: قال الجراح بن عبد الله الحكمي وكان فارس أهل الشام: تركت الذنوب حياء أربعين سنة، ثم أدركني الورع.
وقال البخاري: ولي الجراح خراسان ليزيد بن المهلب، وهو من سعد العشيرة، فروى الوليد بن مسلم أن الجراح كان إذا مشى في جامع دمشق يميل رأسه عن القناديل من طوله. وروى عبد الرحمن بن الحسن الزرقي، عن أبيه قال: كان الجراح بن عبد الله عامل خراسان كلها، حربها وصلاتها، ومالها. وقال الوليد: ثنا ابن جابر قال: في سنة اثنتي عشرة ومائة غزا الجراح أرض الترك، فدخل، ثم رجع، فأدركته الترك، فقتل هو وأصحابه. وقال أبو سفيان الحميري: كان الجراح على أرمينية، وكان رجلا صالحا، فقتله الخزر، ففزع الناس لقتله في البلدان.
وروى صفوان بن عمرو، عن سليم بن عامر قال: دخلت على الجراح، وعنده أمراء الأجناد، فإذا به قد رفع يديه، ورفعوا، فمكث طويلا، ثم قال لي: يا أبا يحيى، تدري ما كنا فيه؟ قلت: لا، قال: سألنا الله الشهادة، فو الله ما علمت أنه بقي منهم أحد في تلك الغزاة إلا استشهد، قال: فبعث الجراح إلى الأمراء أن ينضموا إليه حين دهموا فأقبلوا إليه.
وقال خليفة: زحف الجراح من برذعة سنة اثنتي عشرة إلى ابن خاقان، وهو محاصر أردبيل، فاقتتلوا، فقتل الجراح لثمان بقين من رمضان، وغلبت الخزر على أذربيجان، وبلغت خيولهم إلى الموصل.
قال الواقدي: كان البلاء بمقتل الجراح على المسلمين عظيما، فبكي عليه في كل جند من أجناد العرب وفي الأمصار، رحمه الله تعالى».
أقول: قوله (تركت الذنوب حياءً أربعين سنة) رواه ابن أبي الدنيا في كتبه وتناقله العلماء كثيراً حتى أنك تجده في جامع العلوم والحكم لابن رجب فتأمل هذا القائد الفاتح العابد الذي ختم له بالشهادة مع ما كان في حياته من فتوحات جليلة واليوم أمره منسي والله المستعان إلا في قلة ممن تعمق في التاريخ.
أكباش الزبير بن بكار والأعياد الوطنية..
من الطرائف التي يتناقلها الأدباء وأهل الحديث عن المؤرخ والراوية الزبير بن بكار ما رواه الخطيب في تاريخه بسند عن أبي العباس محمد بن إسحاق الصيرفى يقول: "سألت الزبير بن بكار، و قد جرى حديث: منذ كم زوجتك معك؟ قال: لا تسألنى ليس يرد القيامة أكثر كباشا منها، ضحيت عنها بسبعين كبشا".
هذه الكلمة الطريفة صارت هذه الأيام تتسلل إلى ذهني كلما رأيت احتفالات الناس بما يسمونه بالأعياد الوطنية، والسبب في ذلك أن من الحجج المتكررة عند من ينكر الأعياد الوطنية قوله: لا يوجد في الإسلام إلا عيدين الأضحى والفطر، وبعضهم يقول ثلاثة ويزيد الجمعة.
ولو أردت أن تذكر أعياد الفطر التي احتفلت بها مع زوجتك فيمكنك أن تربط ذلك بعبادة فتقول: لقد صمت معها ثلاثين شهراً -مثلا-
أو أردت أن تذكر أعياد الأضحى التي احتفلت بها معها فيمكنك استعارة تعبير الزبير بن بكار فتقول: ضحيت عنها بكذا وكذا كبشاً.
يلاحظ أن الفرح في العيدين متصل بالعبادة، فعيدٌ اتصل بالصيام وقضاء شهر فتحت به أبواب الجنة وغلقت أبواب النيران، وذلك يملأ القلب رجاءً ويكون من تمام الرجاء الفرح بانقضاء الشهر والاحتفال، وكأنك تقول لربك -وإن قصرت في حقه-: (أنا أرجو من رحمتك أعظم مما أرجو من عملي، وأحسب أنك تقبلت وزدت، وإن لم يكن هذا ففرحي لإخواني، وعسى أن تهب مسيئنا لمحسننا فقد فرح المسيء للمحسن، والمحسن كريم مليء، والمليء الكريم إذا فرح وهب الفقير المعدم، والله أرحم وأكرم وأسرع هبة وأجزل).
وآخر اتصل بعشر ذي الحجة وفيها من الفضل ومضاعفة الأجور ما فيها، ويوافق ذلك موسم الحج حيث تنزل على الأرض من المغفرة والرحمة ما تصفه الألسنة ولا تحيط به، وذلك أهل لئن يُفرح به ويُشكر الله عز وجل عليه، يُواسي غنيُّنا فقيرَنا (غني المال وفقير المال)، هذا الظاهر، وأما المعنى فهو أن فينا فقير حسنات وغني حسنات عسى إن جمعتهم فرحة وموقف ومشهد يقفون فيه بين يدي الله عز وجل أن يهب الله المسيء للمحسن وهو أرحم بالمسيء من المحسن، غير أنه يجعل للخير أسبابًا يزيد فيها ثواب الطيبين ويؤكد الأخوة الإيمانية بين عباده، كل ذلك على التوحيد واتجاه جميع القلوب لله عز وجل.
غير أن المحتفل بالأعياد الوطنية لو أراد أن يذكر أمراً يضبط به عدد الأعياد الوطنية التي قضاها مع أهله ما عساه أن يقول؟
وما مبرر الفرح والاحتفال؟
وما علاقة هذا بكونك كنت تراباً ثم صرت نطفة أمشاج وتدرجت في الأحوال ثم صرت فوق الأرض، وكأنك ما خلقت ولكنك ستعود إليها يوماً ثم تحيا لتقوم بين يدي رب العالمين؟
أهو فرح بمعركة وقع فيها انتصار كبير أو سلامة من سوء؟
لقد كان للمسلمين الأوائل بدر وأحد والخندق وما لا يحصى من أيام الله، ولو كانوا محتفلين لاحتفلوا بكلمة من الله وبشرى نزلت عليهم من السماء.
الإنسان الحديث مخادع بامتياز، يشعر بالاغتراب ويهرب من ذاته ويصطنع فرحاً ينحته من حجر التناقضات، ثم هو ماهر بالتظاهر بالغبطة بأمور لا يفهم ما وراءها، غير أن له لعبة معروفة: يجعل الغايات وسائل والوسائل غايات، وهكذا تصير الحجج شبهات والشبهات حججاً وتصير الأسئلة مقلوبة، هذا مع العجز كل العجز عن أن يجد ثلج اليقين، ومعينه بين يديه، قد كبلته أوهام حسبها لذات وغايات.
السؤال أعمق من الحديث عن الحكم الشرعي، السؤال هو كيف استطعت إقناع نفسك بأن تفرح بهذا كفرحك بالزواج أو العيد وأنت لا تكسب شيئاً في دينك أو دنياك؟! فإن كنت تذكر نفسك بنعمة فهل هكذا تشكر النعم؟ وإن فرح إنسان بفعله ما بال قوم يفرحون بفعل غيرهم! ولو أرادوا الاقتداء بأقوام سلفوا فهل كان أولئك الأسلاف يفعلون هذا أو يقفون عند إنجاز معين ويعيدون الاحتفال به أم يفكرون بغيره؟
سواء وجدنا أجوبة أم لم نجد، أحسب أن الزبير سيكون سعيداً بأكباشه إذا وقف بين يدي الله -إن كان محتسباً- بأكثر مما اغتبط به في حياته، ولكن أولئك الراقصين المحتفلين بأمر لا يد لهم به -وهو وجودهم في بقعة معينة من الأرض- إن كانوا يرونها نعمة من الله فبئس ما شكروا نعمة الله عليهم وما أعظم خجلهم بين يديه خجلاً، وإن كانوا يرونها توكيداً لمعاني الولاء فالمعاني الجليلة إن كانت تُنال باللهو فما في الناس وضيع إذ ما أيسر الشرف، وكم من شيء هو شرف في الدنيا حقا عند أربابها وهو وبال على صاحبه عند الله.
من فقه السلف في الترويح عن النفس..
قال الدوري في تاريخه: عن ابن معين 5405 - حدثنا يحيى قال حدثنا أبو مسهر قال حدثني صدقة عن بن جابر قال كان عمير بن هانئ يضحك فأقول يا أبا الوليد ما هذا قال بلغني أن أبا الدَّرْدَاء كان يقول إِنِّي لاستجم ليَكُون أنشط لي فِي الْحق".
وقال الذهبي في تاريخ الإسلام: "قال ابن وهب: حدثني عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: كان أبو حازم يقول: ما رأيت رجلا كان ألزم لمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من عطاء بن يسار. قال عبد الرحمن بن زيد: قال أبي: كان عطاء يحدثنا حتى يبكينا أنا وأبو حازم، ثم يحدثنا حتى يضحكنا، ويقول: مرة هكذا، ومرة هكذا".
أقول:
الأثر الأول عن عمير بن هانئ تابعي شامي عابد، ذُكر أنه كان يسبح في اليوم الواحد مائة ألف تسبيحة.
يقول تلميذه عبد الرحمن بن يزيد بن جابر أنه كان يراه أحياناً يضحك، ويبدو أنه ضحك المزاح الذي لا تألف كثير من النفوس أن تراه في الناس المشتهرين بالعبادة، فتلميذه كان يستغرب ويقول له: ما هذا؟
يعني ما هذا الضحك الذي لا يليق بمقامك المعهود في العبادة والفضل والتقوى، فرد على تلميذه بأثر بلغه عن أبي الدرداء وأبو الدرداء مات في الشام فتعلم الشاميون من هديه أنه كان يقول إنني لأستجم -يعني آخذ استراحة أجم فيها نفسي- ليكون أنشط لي في الحق.
وهذا المعنى مشهور بين الخبراء بأحوال النفوس حتى وصل الأمر إلى عصرنا، ويسمونها (مكافأة الذات على الإنجاز) ويعبر ابن تيمية عن هذا بقوله أنه من الباطل الذي يستعان به على الحق.
وأما الأثر الثاني فيذكر أن جماعة من الثقات والعباد في المدينة في زمن التابعين كانوا يجتمعون في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان عطاء يحدثهم حتى يبكيهم ثم يحدثهم حتى يضحكهم، ويقول لهم مرة هكذا ومرة هكذا.
هذا الضرب من الآثار في زماننا يساء فهمه أو تطبيقه من فئات عدة:
الفئة الأولى: فئة تتقحم الشبهات والحرام ثم تتحدث عن (ساعة وساعة) و (الباطل الذي يستعان به على الحق) وإنما كان عمل السلف في المباحات.
وفئة أخرى: تجعل أقل وقتها للعبادة والخير وغالب وقتها للترفيه ثم يزعمون أنهم يطبقون هذه الآثار، ويأتونك بكلام المشهورين بالعبادة والخير وينزلون كلامهم على أحوالهم.
وفئة أخرى: تظن التدين صورة مثالية كاملة في عقولهم، وربما غرهم شيء من النشاط الذي وجدوه في بدايات الالتزام فيرى أن هذا مثل هذه الآثار لا تصلح للتطبيق أو الاستعمال بل لا بد من الجد المستمر، ولا يفرقون بين الشبهة والحرام وبين الورع والواجب، ثم يلزمون الخلق بهذا. وكثير منهم ينتهي به الحال إلى الوسواس ثم الانتكاس، وأقل الانتكاسة ترك السمت الظاهر، وأشدها تتبع الرخص والنقمة على الورع الحقيقي والتدين الحقيقي وتسمية ذلك مطلقاً تشدداً.
والحال التامة أن يعلم المرء أنه لا بد من تقصير، وأنه ليس من الضروري تبرير التقصير بل الاستغفار أولى من التبرير، وأن المرء يرجو من فضل الله أكثر مما يرجو من عمله، مع كونه يحرص على الخيرات رجاءً لما عند الله وتعرضاً لنفحات الرحمة.
وفي زماننا يغلب على الناس أن عامة وقتهم إما في طلب الدنيا أو في الترويح عن النفس، فإنْ رأيت إنساناً أقبل على الخير فلا تثبطه بأن تطالبه بأكمل الأحوال ابتداءً، وتشعره أن أدنى تقصير أحبط أعماله أو أخرجه من زمرة أهل التدين والخير والصلاح.
وفي الوقت نفسه لا تجريه على معاصي الله بحجة توسيع أنماط التدين، وإنما حدثه بأن يُقبِل على الخير شيئاً فشيئاً، وألا يقنط من رحمة الله، ومن رحمة الله أن يزيد في صلاحه حتى يصل إلى محل تقر به عينه، والمؤمن لا يزال مشفقاً بدون قنوط وراجياً بدون جرأة.