السيرافيُّ المتهم بالاعتزالِ وإثباتُ الصفات...
السيرافيُّ المتهم بالاعتزالِ وإثباتُ الصفات...
عالم اللغة الشهير أبو سعيد السيرافي الحسن بن عبد الله بن المرزبان (المتوفى: ٣٦٨ هـ)
جاء في ترجمته: وقال ابن أبي الفوارس: كان يذكر عنه الاعتزال ولكن لا يظهر.
ولأجل هذه الكلمة ذكره من ذكره في كتب المجروحين، وقد كان ابن تيمية يحتج بكلام السيرافي على متى الفيلسوف في عدم ضرورية المنطق.
وقد ورد في ترجمته أنه: كان يدرس القرآن والقراءات وعلوم القرآن والنحو واللغة والفقه والفرائض والكلام والشعر والعروض والقوافي والحساب، وعلومًا سوى هذه.
وكان من أعلم الناس بنحو البصريين، وينتحل في الفقه مذهب أهل العراق.
وقد وقع لي شرحه على كتاب سيبويه، وهو في خمسة أجزاء، وأردت أن أتحقق من تهمة الاعتزال الموجهة إليه، مع أن المتهِم نصَّ على أنه لا يظهر ذلك، ولكنه إذا أظهر نقيض ذلك دل على ضعف التهمة.
وما وجدت موطنًا يمكن الاستدلال به على ضعف التهمة الموجهة إليه إلا ما يلي:
قال السيرافي في شرح كتاب سيبويه (١/٢٣٤):
«وقد كان بعض أصحابنا يذهب إلى أن قولك: "ذهبت بزيد" معناه على غير معنى "أذهبت زيدًا"؛ وذلك أن قولك: "أذهبت زيدًا" معناه: أزلته، ويجوز أن تكون أنت باقيًا في مكانك لم تبرح. وإذا قلت: ذهبت بزيد، فمعناه ذهبت معه، وهذا يحكي عن أبي العباس المبرد.
وبعض الناس ينكر هذا، ويقول: معناهما سواء؛ لأن الله تعالى قد قال: "لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ" في معنى أذهب الله سمعهم وأبصارهم، وهو تعالى غير ذاهب، ويحتج بالبيت الذي أنشدناه أنّ الصّفواء غير زالّة.
وللمحتج عن أبي العباس أن يقول في الآية: إن الله تعالى وإن لم يكن ذاهبًا، فقد وصف نفسه في مواضع من القرآن بالمجيء والإتيان، فهو أعلم بحقيقة ذلك، فقال:
وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا، وقال: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ"».
مذهب المبرد أن قولهم ذهبت بكذا أي ذهبت معه، أما أذهبت كذا أي أذهبته/أزلته (وإن لم أذهب معه).
فأوردوا عليه قوله تعالى: "لذهب بسمعهم وأبصارهم" على جهة استبعاد أن يكون معناها ذهب الله مع سمعهم وأبصارهم.
فحاول السيرافي أن يدفع هذا الإيراد بأنه يجوز أن يوصف الله بالذهاب ويكون ذهابًا حقيقيًّا كما جاء وصفه في الوحي بالمجيء.
وهذه الأريحية في الحديث عن صفة المجيء وعدم تقدير محذوف في الآية كقولهم (جاء بأمر ربك) يوحي بالبعد الشديد عن مذهب الاعتزال أو حتى مذهب الكلابية ممن هم دون المعتزلة، خصوصًا وأنه تكلم بكلام من يفهم الصفة على حقيقتها، فقال إنه يجوز أن يوصف بالذهاب كما وُصف بالمجيء، وهذا لا يلتقي مع التفويض أو التأويل.
وكلام السيرافي هذا وُجد في كتب لغوية متأخرة على الفهم الذي فهمته.
فقد جاء في جنى الداني في حروف المعاني لأبي محمد بدر الدين المرادي المصري ص٣٨ من طبعة دار الكتب العلمية: «قال السهيلي: إذا قلت: قعدت به، فلا بد من مشاركة، ولو باليد. ورد عليهما بقوله تعالى "ذهب الله بنورهم"، لأن الله -تعالى- لا يوصف بالذهاب مع النور. وأجيب بأنه يجوز أن يكون -تعالى- وصف نفسه بالذهاب، على معنى يليق به، كما وصف نفسه بالمجيء، في قوله "وجاء ربك"، وهذا ظاهر البعد».
بغض النظر عن المسألة اللغوية فالمراد مقاربة عقيدة السيرافي فحسب.