كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

موقف الإمام أحمد من اللفظية ودلالته على ذم متأخري الأشعرية

المصدر
موقف الإمام أحمد من اللفظية ودلالته على ذم متأخري الأشعرية اللفظية فرقة من الجهمية قالوا بأن القرآن الذي في الأرض مخلوق وأثبتوا قرآنا في السماء ليس كذلك، وزاد الكلابية أنهم نفوا كلام الله بالحرف والصوت فنفوا حقيقة الكلام، أما اللفظية الأولى فما كانوا كذلك. فقالوا أن الذي في الأرض فعل المخلوق فحسب ولا فعل للخالق، بيد أن القرآن إذا تلي فهناك أصل القرآن وهو فعل الخالق وفعل العبد، ولهذا أبى أحمد قولهم لفظي بالقرآن مخلوق لأن فعل الخالق لا يكون كذلك، وأبى لفظي بالقرآن غير مخلوق لأن فعل العبد لا يكون كذلك، بل التفصيل هو الصواب. واستدل عليهم بنصوص تكشف حقيقة مقالتهم كاستدلاله بقوله تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله}[التوبة] وحديث «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام البشر» فعلم أن لله في الأرض كلام. أطلق السلف تجهيم اللفظية ولكنهم فرقوا بين عالمهم وجاهلهم (وهذا في كلام أحمد واضح) وأما الكلابية شيوخ الأشعرية فحالهم أشد إذ نفوا الحرف والصوت فنفوا حقيقة الكلام، وهم مصرحون بنفي الأفعال الاختيارية. قال ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى (12/ 421): "وأما البدعة الثانية -المتعلقة بالقرآن المنزل تلاوة العباد له- وهي "مسألة اللفظية" فقد أنكر بدعة "اللفظية" الذين يقولون: إن تلاوة القرآن وقراءته واللفظ به مخلوق أئمة زمانهم جعلوهم من الجهمية وبينوا أن قولهم: يقتضي القول بخلق القرآن وفي كثير من كلامهم تكفيرهم. وكذلك من يقول: إن هذا القرآن ليس هو كلام الله وإنما هو حكاية عنه أو عبارة عنه أو أنه ليس في المصحف والصدور إلا كما أن الله ورسوله في المصاحف والصدور ونحو ذلك". تأمل قوله (وفي كثير من كلامهم تكفيرهم) ونقل ابن تيمية عن الكرجي قوله: "وقد افتتن أيضا خلق من المالكية بمذاهب الأشعرية، وهذه والله سبة وعار وفلتة تعود بالوبال والنكال وسوء الدار على منتحل مذاهب هؤلاء الأئمة الكبار فإن مذهبهم ما رويناه: من تكفيرهم: الجهمية والمعتزلة والقدرية والواقفية وتكفيرهم اللفظية" وأقره. هذان النقلان مجهولان لا يُذكران في أكثر الأبحاث الدارجة، وإنما يتم تداول النص الآتي كما في مجموع الفتاوى: "ولهذا عامة كلام أحمد إنما هو يجهم اللفظية لا يكاد يطلق القول بتكفيرهم كما يطلقه بتكفير المخلوقية وقد نسب إلى هذا القول غير واحد من المعروفين بالسنة والحديث: كالحسين الكرابيسي ونعيم ابن حماد الخزاعي والبويطي والحارث المحاسبي ومن الناس من نسب إليه البخاري". فهذا النص إذا نظرت إليه لوحده ستظن أن أحمد لا يكفر اللفظية أصلاً وهذا غير صحيح، فقد تقدم كلام الشيخ وكلمة أحمد مشهورة نقلها الشيخ وغيره (من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع) ففرق بين الجهمي والمبتدع، وهذا يدل على أن الجهمي عنده أعلى من المبتدع. وإنما قصد الشيخ أنه يطلق التكفير ولكنه لا يجعله مثل إطلاقه على المخلوقية، ويا ليت شعري عادة من يُنقل هذا النص حتى المخلوقية لا يقبل القول بإطلاق تكفيرهم ولا تكفير أعيانهم، وكذلك منكر العلو الذي هو أشد من كل هؤلاء لا يطلق القول بتكفيرهم ولا يكفر أعيانهم، فما فائدة الاستدلال بنص يقول أن الإمام أحمد كان يطلق تكفير المخلوقية وأنت من هم شر من المخلوقية وهم نفاة العلو لا تقبل إطلاق تكفيرهم! والآن لنأتي لنصوص أحمد في اللفظية، فالمرء يعلو بسنده ولا يقلد: قال الخلال في السنة 2109- سمعت أبا بكر المروزي يقول: أتيت أبا عبد الله ليلة في جوف الليل فقال لي: يا أبا بكر، بلغني أن نعيما كان يقول: لفظي بالقرآن مخلوق، فإن كان قاله فلا غفر الله له في قبره. فقول أحمد (فلا غفر الله له في قبره إن كان قالها) شديد جداً، واليوم الجهمي الذي ينكر الحرف والصوت بل وينكر العلو بل ويقول بالشرك فهو رحمه الله والإمام ونمتحن المسلمين به، علماً أن نعيماً بريء من هذه التهمة وقد ذكر الخلال ذلك وذكر تفصيله الموافق لكلام أحمد. وفي رواية المروذي قلت لأبي عبد اللَّه: إن الكرابيسي يقول: من لم يقل: لفظي بالقرآن مخلوق فهو كافر؟ قال: بل هو كافر، وقال: مات بشر المريسي وخلفه حسين الكرابيسي. (ومن نسب للكرابيسي أنه قال القرآن كلام حيثما اتجه فتلك رواية غالطة، وقد حقق هذا صاحب كتاب الأشاعرة في الميزان). وكفر الإمام أحمد صاحبه أحمد الشراك لما أظهر القول باللفظ، وقال في هشام بن عمار لما أظهر القول باللفظ: "إن صلوا خلفه فليعيدوا الصلاة" نقله الذهبي في الميزان. فهذه أحكامه في أربعة ذُكر عنهم اللفظ، واحد دعا عليه بعدم المغفرة، والثاني كفره صراحة، والثالث كذلك، والرابع أمر بإعادة الصلاة خلفه مع إطلاقه القول بتجهيم من قال هذه المقالة وتكفيرهم، وقوله أن من كتب الحديث منهم شر من الجهمي. وهؤلاء مقالتهم أهون من مقالة الكلابية التي وصف الإمام الواقعين فيها بالزنادقة، ومقالة الكلابية أهون من مقالة متأخري الأشاعرة خصوصاً نفاة العلو. = = وقد قرأت كلاماً لبعض المعترضين يقول فيه أن المعلوم من الدين بالاضطرار عند ابن تيمية نسبي! يختلف بحسب الزمان والمكان وفي هذا يدخل قوله في العلو. طيب لا بأس؛ ولذلك علماء الأشاعرة عندكم على مدى عشرة قرون ما قامت الحجة على أي واحد منهم، والأصل في المعلوم من الدين بالاضطرار أنه خفي في حقهم! ولا أدري كيف معلوم من الدين بالاضطرار وخفي على العلماء والجهال قروناً طويلة! ويسردون لك أسماء العلماء الأجلاء الذين خالفوا المعلوم من الدين بالاضطرار وهم أولياء لله لا يجوز عليهم تبديع ولا تكفير وهم معذورون تماماً، وأما من أخذ بإطلاقات السلف فليس معذورا، وحين نقول أنهم داخلون في السفسطة يغضبون. وآخر جادت قريحته بإلزام لوذعي، وهو إلزام دارج عندهم أن السلف أطلقوا تكفير من لا يكفر القائل بخلق القرآن فلماذا لا تكفرون العلماء الذين يفرقون بين الإطلاق والتعيين؟ وهذا الجدل البارد كان سبباً في تخريج الغلاة، فالقوم أقاموا عذر الجهمية وفتنوا الشباب الذي يريد الاتباع للسلف وأدخلوهم في الغلو، ومعلوم أن العالم الذي يفرق بين الإطلاق والتعيين لا يقال عنه لا يكفر بل هو مكفر لأنه يكفر المقالة ويكفر الأفراد الذين قامت عليهم الحجة، وقيام الحجة ليس كعنقاء المغرب أو الغول بل شيء منتشر وفاش والحمد لله، والتفريق بين الإطلاق والتعيين بأي ضابط شيء ووجود كفر أكبر لا يكفر به أحد شيء آخر تماما، أو كفر أكبر العالم المعين الواقع فيه محنة نمتحن به أهل الإسلام ونبدعهم مع اقرارنا أنه وقع بالكفر الأكبر. ولكن تأمل في بدعة الجهمية كيف أنها من شدة ظهور مخالفة الواقعين فيها تكلم السلف في تكفير من لم يكفرهم (إذا كان من أهل العلم والفهم كما في عقيدة الرازيين وغيرها) وابن تيمية نفسه نقل روايتين عن أحمد في تكفير من لا يكفر الجهمية ورجح عدم التكفير ولا ينقل الخلاف في تكفير نفسه! فأنت قد تكفر إنساناً وتكون المسألة خلافية كخلاف الناس في الطائفة الممتنعة. وقد تكفره وترمي مخالفك بالإرجاء وهذا تبديع، ولكن أن تكفره ثم تكفر من لا يعد قوله كفراً فهذا معناه أن المسألة الأصل فيها الظهور الشديد إلى درجة الانتقال إلى المرتبة الثانية من التكفير. لا أن تصير هذه المسائل الأصل في العلماء الواقعين فيها على مدى قرون متتابعة أنهم جهال معذورون متأولون خفي عليهم الحق، وعذرهم برهان ملزم من يخالفه نرميه بالغلو وهم أئمة، فالذي وقع في الكفر في ذات الله ولم يقع عليه معذور، ومن خالف في صفة إنسان نحكم عليه بحكم شديد ثم يقولون أنهم ليسوا متأثرين بالإنسانوية. باب فيمن جاء يستدل للعذر فاستدل للتوقف.. من عقائد أهل السنة المتقررة أن كل وعيد جاء في المعاصي لا نجزم بوقوعه على المعين لأنه تحت المشيئة إن شاء الله عذبه بعدله وإن شاء غفر له بفضله. غير أنه يطلق الوعيد كما ورد في النصوص من فعل كذا وكذا فهو في النار ولعن الله من فعل كذا وكذا. ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن تكفير السلف لبعض الطوائف من هذا الباب، باب الوعيد المطلق، غير أن المعين لا يقع عليه الحكم إلا بعد قيام الحجة أو كونه أمكنه العلم فأعرض. فجاء بعض الناس واستخدموا هذا القياس من وجه وطردوه فقالوا: تكفير السلف للجهمية لمن يقول بخلق القرآن أو ينكر العلو من باب الوعيد المطلق ولهذا الأعيان نجزم بسلامتهم من الكفر حتى يثبت الدليل بذلك. فيقال: إذا كان قولنا (فلان كافر) وفقًا للآثار المروية عن السلف مثل قولنا (فلان في النار) في المعاصي، فالذي يقتضيه القياس الصحيح أننا نتوقف في الواقع في المكفر فلا نحكم عليه بإسلام ولا كفر كما نتوقف في العاصي المتوعد فلا نحكم عليه بسلامته من النار أو دخوله فيها لأنه تحت المشيئة، هذا ما يقتضيه طرد القياس. لا أن نحكم بإسلامه وإمامته في الدين بل وتفضيله على بعض أهل السنة، ولهذا كان موقف ابن القيم من المعرض منهم التوقف ولكنه ما طرد هذا فيهم كلهم بل ذكر قومًا منهم معاندين (علمًا أن المعترضين يرفضون إطلاق التكفير المطلق في بعض فرق الجهمية خلافًا لتأصيلهم، فيقبلون الجهمية كفار ولا يقبلون الإطلاق نفسه على من وافق الجهمية في مناط التكفير). قال ابن القيم في إعلام الموقعين: "وقال شيخنا: كان يشكل عليَّ أحيانًا حالُ مَنْ أصلِّي عليه من الجنائز، هل هو مؤمن أو منافق؟ فرأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في المنام فسألته عن مسائل عديدة منها هذه المسألة، فقال: يا أحمد الشرط الشرط، أو قال: علق الدعاء بالشرط". الشرط الشرط أي قل (اللهم اغفر له إن كان مؤمنًا)، وهذا التعامل في حال التوقف بخلاف حال الجزم بالإسلام. وإذا كان تكفير المعين الواقع في الكفر الأكبر باعتبار قرائن أو مجردًا عن القرائن يساوي الشهادة بالنار على العاصي من كل وجه لكان العلماء الذين كفروا الجعد والجهم وابن أبي دؤاد وغيرهم متألِّين على الله ولا يوجد قائل بهذا! قال ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى (12/ 489): "وقد نقل عن أحمد ما يدل على أنه كفر به قوما معينين فأما أن يذكر عنه في المسألة روايتان ففيه نظر أو يحمل الأمر على التفصيل. فيقال: من كفره بعينه؛ فلقيام الدليل على أنه وجدت فيه شروط التكفير وانتفت موانعه ومن لم يكفره بعينه؛ فلانتفاء ذلك في حقه هذه مع إطلاق قوله بالتكفير على سبيل العموم". فالشيخ ينقل عن أحمد تكفير معينين لهم نظير معذور، وهذا ما ينبغي أن يلتزم به كل من يتكلم عن الإطلاق والتعيين، أن يذكر ضوابط لقوله وينظر في ممارسات الأئمة ويحاول التخريج عليها، وما قول أحمد بتكفير أعيان الجهمية بالمساوي للقول بالشهادة على مسلم عاصٍ بالنار. والتفريق بين الإطلاق والتعيين لا يلزم في كل مكفر، بل هناك الإسماعيلية والقرامطة والفلاسفة لا يلتزم أحد فيهم هذا، ولهذا إذا تنازعنا في فرقة معينة هل تدخل في التفريق بين الإطلاق والتعيين أم لا فهذا ليس إنكارًا للأصل في نفسه وإنما لشموله لهذه الفرقة. وقال أيضًا في (7/ 486): "وهذه الأحاديث حجة على الطائفتين: "الوعيدية" الذين يقولون: من دخلها من أهل التوحيد لم يخرج منها، وعلى "المرجئة الواقفة" الذين يقولون: لا ندري هل يدخل من أهل التوحيد النار أحد أم لا". وأصل شبهة هؤلاء المرجئة الواقفة أنهم جعلوا التفريق بين الإطلاق والتعيين مجوزًا لإلغاء الحكم من أصله. وإن من الطرائف بحق أن يُنقل قول الشيخ في منهاج السنة: "وذلك كله داخل في البلاغ المبين، فإنه من ليس شرط البلاغ المبين أن لا يشكل على أحد، فإن هذا لا ينضبط، وأذهان الناس وأهواؤهم متفاوتة تفاوتًا عظيمًا، وفيهم من يبلغه العلم، وفيهم من لا يبلغه إما لتفريطه وإما لعجزه. وإنما على الرسول البلاغ المبين: البيان الممكن، وهذا -ولله الحمد- قد حصل منه صلى الله عليه وسلم، فإنه بلغ البلاغ المبين، وترك الأمة على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعده إلا هالك، وما ترك من شيء يقرب إلى الجنة إلا أمر الخلق به، ولا من شيء يقربهم من النار إلا نهاهم عنه، فجزاه الله عن أمته أفضل ما جزى نبيًّا عن أمته" لتبرير القول بعذر العلماء الذين خالفوا معلومًا من الدين بالاضطرار، والشيخ يتكلم عن حجة النبي صلى الله عليه وسلم على أمته وأنه تركهم على البيضاء، ولا يقول مسلم أنها ليست قائمة بالجملة، فـ(المبين) و(المعلوم من الدين بالاضطرار) خفي على علماء طائفة تتابعوا على مخالفته قرونًا ولا يوجد أي قرائن تدل على ظهوره في حق بعضهم فضلًا عن نصفهم فضلًا عن أغلبهم بل الكل مقطوع بإسلامهم ومن قال غير هذا فهو من الغلاة ما شاء الله!