كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

قال التلمساني في النفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب متحدثاً عن مدينة قرطبة :" ثم

المصدر
قال التلمساني في النفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب متحدثاً عن مدينة قرطبة :" ثم قال ابن سعيد: ومن كلام والدي في شأنها: هي من أحسن بلاد الأندلس مباني، وأوسعها مالك، وأبرعها ظاهراً وباطناً، وتفضل إشبيلية بسلامتها في فصل الشتاء من كثرة الطين، ولأهلها رياسة ووقار، لا تزال سمة العلم متوارثة فيهم، إلا أنّ عامّتها أكثر الناس فضولاً، وأشدهم تشنيعاً وتشغيباً، ويضرب بهم المثل ما بين أهل الأندلس في القيام على الملوك والتشنيع على الولاة وقلة الرضى بأمورهم، حتى إن السيد أبا يحيى بن أبي يعقوب بن عبد المؤمن لما انفصل عن ولايتها قيل له: كيف وجدت أهل قرطبة؟ قال: مثل الجمل إن خفّفت عنه الحمل صاح، وإن أثقلته به صاح ما ندري أين رضاهم فنقصده، ولا أين سخطهم فنتجنّبه ، وما سلّط الله عليهم حجّاج الفتنة حتى كان عامتها شرّاً من عامة العراق، وإن العزل عنها لما قاسيت من أهلها عندي ولاية، وإنّي إن كلّفت العود إليها لقائل: لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين. قال والدي: ومن محاسنها ظرف اللباس، والتظاهر بالدين، والمواظبة على الصلاة، وتعظيم أهلها لجامعها الأعظم، وكسر أواني الخمر حيثما وقع عين أحد من أهلها عليها، والتستر بأنواع المنكرات، والتفاخر بأصالة البيت وبالجندية وبالعلم، وهي أكثر بلاد الأندلس كتباً، وأشدّ الناس اعتناء بخزائن الكتب، صار ذلك عندهم من آلات التعين والرياسة، حتى إن الرئيس منهم الذي لا تكون عنده معرفة يحتفل في أن تكون في بيته خزانة كتب، وينتخب فيها ليس إلاّ لأن يقال: فلان عنده خزانة كتب، والكتاب الفلاني ليس هو عند أحد غيره، والكتاب الذي هو بخط فلان قد حصله وظفر به. قال الحضرمي: أقمت مرّة بقرطبة، ولازمت سوق كتبها مدة أترقب فيها وقوع كتاب كان لي بطلبه اعتناء، إلى أن وقع وهو بخط جيد وتسفير مليح ، ففرحت به أشد الفرح، فجعلت أزيد في ثمنه، فيرجع إليّ المنادي بالزيادة عليّ، إلى أن بلغ فوق حدّه، فقلت له: يا هذا أرني من يزيد في هذا الكتاب حتى بلّغه إلى ما لا يساوي، قال: فأراني شخصاً عليه لباس رياسة، فدنوت منه، وقلت له: أعز الله سيّدنا الفقيه، إن كان لك غرض في هذا الكتاب تركته لك فقد بلغت به الزيادة بيننا فوق حده؛ قال: فقال لي: لست بفقيه، ولا أدري ما فيه، ولكنّي أقمت خزانة كتب، واحتفلت فيها لأتجمل بها بين أعيان البلد، وبقي فها موضع يسع هذا الكتاب، فلمّا رأيته حسن الخط جيّد التجليد استحسنته، ولم أبال بما أزيد فيه، والحمد لله على ما أنعم به من الرزق فهو كثير؛ قال الحضرمي: فأحرجني، وحملني على أن قلت له: نعم لا يكون الرزق كثيراً إلاّ عند مثلك، يعطى الجوز من لا عنده أسنان _ هذا مثل فيه سوء أدب مع الله _، وأنا الذي أعلم ما في هذا الكتاب، وأطلب الانتفاع به، يكون الرزق عندي قليلاً، وتحول قلّة ما بيدي بيني وبينه" أضحكتني قصة هذا الرجل مع الكتاب وحاله يشبه حال كثيرين ولو كان هذا الرجل حياً لصور مع مكتبته ونشر الصورة في مواقع التواصل وهو ما قرأ عامة ما في مكتبته الجميلة