كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

رآه الفقهاء ابتذالًا للمرأة ويرونه اليوم تحضُّرًا...

المصدر
رآه الفقهاء ابتذالًا للمرأة ويرونه اليوم تحضُّرًا... هناك شيء عند الفقهاء اسمه خيار الشرط، وهو يعني أن يشتري أحد المتعاقدين السلعة على أن يكون له الخيار مدة زمنية إن شاء أنفذ البيع وإن شاء ألغاه، أقول لك مثلًا: اترك عندي هذه السيارة أسبوعين فإن أعجبتني أكملنا البيع وإلا أعدتها لك. تكلم الفقهاء عن مسألة تصورية وهي وجود هذا الشرط في أمر النكاح، كأن يقول المرء أتزوج هذه المرأة عدة أشهر فإن تفاهمنا وإلا فكل يذهب في حال سبيله، ويستعيد الرجل مهره ولا تلزمه نفقات، وإنما ينفق عليها في حال وجودها عنده. قال صاحب الشرح الكبير على المقنع من الحنابلة (٢٠/١٠٦): "ولأن ثبوت الخيار فيه يفضي إلى فسخه بعد ابتذال المرأة، وفي فسخه بعد العقد ضرر بالمرأة، ولذلك أوجب الطلاق قبل الدخول نصف الصداق". ركِّز على قوله "ابتذال المرأة". هذه الصورة التي تكلم عنها الفقهاء من بعد طرد الباب و(تفقها) هي حقيقة واقعة اليوم. فما يحصل في الدول الغربية أسوأ من ذلك ولكنه يشبه صورته، وهو أن يعيش الرجل مع المرأة ويأخذ منها ما يأخذ الأزواج من زوجاتهم ولكنه لا يُقدِم على الزواج منها إلا بعد عدة أعوام، وربما لا يفعل ويطلب منها الخروج من بيته ليأتي بأخرى. هذا الأمر لم يأتِ بين ليلة وضحاها بل بسبب تشريعات كانوا يظنون أنها أهدى من الوحي في حماية النساء، فأثبتوا للزوجات حقوقًا فوق المأذون به شرعًا، وصارت عملية الانفصال عملية محكومة قضائيًّا، وتأخذ المطلقة نصف أموال الرجل التي اكتسبها بعد الزواج (لأنها شراكة ذمم مالية والرجل في العادة يكسب أكثر). فصار كثير من الرجال يتهيَّبون الدخول في أمر الزواج لئلا يلتزموا كل هذه الالتزامات، فجاءت فكرة "المساكنة". وكما أقول دائمًا: كثير مما تظنه النسويات انتصارًا للمرأة هو انتصار للزناة والرجال اللؤماء. وأما في الشريعة فباب الزنا مغلق أصالة لذا الناس يتزوجون. ثم في الزواج هناك المهر والولي والإشهار، كل تلك الأمور تجعل على الرجل والمرأة مسئولية. وتأمَّل كيف أن الرجل لو طلق قبل الدخول فلها نصف المهر، فامرأة تأخذ نصف مهرها وإن لم يمس الرجل منها شعرة فيُرى أنها ليست على شيء ومظلومة ومضطهدة، وأخرى ربما حملت منه وجعلها تجهض -وما أكثر الإجهاض عندهم- ثم ينفصل عنها دون أي تعويضات فالأمر مجرد "صداقة" فتُعتبر هذه متحررة وتأخذ حقوقها! ثم الحرة لا يُعزَل عنها إلا بإذنها، أي أن رغبتها بالولد من حقوقها بخلاف المساكنة. والفارق الجوهري بين الزوج و"المساكن" أن الزوج لا يمكن أن يجد مهر زوجة بسهولة في كل مرة بخلاف المساكن فهو لا يحتاج مهرًا وإنما بعض النفقات الزائدة فحسب، ثم الزوج راغب بأولاد وإعفاف شرعي بخلاف المساكن فهو يريد متعة مؤقتة وقد يرغب بالأولاد وقد لا يرغب. وفِي حال المساكنة دخول أي من الطرفين بخيانة يكون أمرًا مع شدة أذيته للنفس غير مُدان قانونًا بخلاف الزواج. ما يحصل اليوم في بلداننا من تقييد لسلطات الزوج حتى تضييق أمر الطلاق محاكاةً للنصارى سيأتي بنتائج عكسية كما حصل مع القوم، ولهذا من سماحة الشريعة أنها مع الغرم الذي على الرجل في النفقات والمهر جُعِل له غنم القوامة ومنه حق الطلاق، وجعل للمرأة نفقة الرجل عليها طوال عدتها، ثم جعل أمر الطلاق ثلاثًا حتى يُستدرك الأمر إن كان ثمة تسرع، وهذا اتزان عظيم لا تضاهيه الشرائع الوضعية التي تريد الإصلاح من وجه فتفسد لأنها تتطلَّب حالة كاملة تُحقِّق عدلًا مطلقًا من خلال القوانين بغض النظر عن أحوال البشر، وهذا يستحيل، وإنما هناك عدل مقيَّد في هذه الدنيا والعدل المطلق يوم القيامة. =