كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

الولاء والبراء ضرورة عقلية مستغنية عن الإطناب في الإستدلال

المصدر
الولاء والبراء ضرورة عقلية مستغنية عن الإطناب في الإستدلال التشويش على مصطلح ( الولاء ) و ( البراء ) أخطر بكثير مما يتصور البعض بل هذا التشويش أمر فتاك شديد الفتك جدأً بكل ما فيه مصلحة للمسلمين وبيان ذلك أن التنافس بين الأمم مبني على التمايز فلا يقال زيد انتصر على زيد أو تقدم على زيد بل يقال زيد انتصر عمرو أو تقدم على عمرو وهذا التمايز يكون عائداً إلى عدة أسباب فتارة يكون مبنياً على العقيدة وتارة على العرق وتارة العيش في بقعة جغرافية معينة اقتضت مصالح مشتركة وكل جماعة اجتمعت على وصف وامتازت عن به غيرها قوامها بتكاتف أفرادها وتماسكهم وحرصهم ممن هم من غيرهم وكلما ازدادوا في هذا التماسك كلما كانوا أقدر على تحقيق الأهداف المشتركة أو القيم التي قامت عليها هذه الجماعة وعلى مستوى أصغر مجتمع بشري وهو الأسرة يجتمع أفراد تجمعهم صفات مشتركة تحت سقف واحد ويسعون في تحقيق منافع مشتركة ويسعون في دفع الخطر المشترك ومن الخيالي أن نجد أباً يفكر في أبناء غيره كما في بأبنائه من كل وجه فتجده إذا كان ابنه مريضاً فشفي لا يفرح لأن هناك غيره مرضى ولم يشفوا لا يكون ذلك إلا برابطة أخرى من الولاء أيضاً ولا أحد يلومه هنا على محبته لابنه وموالاته له وكذلك الأمر نفسه في الابن ولو انتسب الابن لغير أبيه لاعتبر عاقاً غير أن هذا الانتساب هو بمنزلة إعلان ( الولاء ) لشخص آخر والبراءة من أبيه فالمرء لا يعيش إلا بولاء وبراء وعلى المستوى السياسي الحديث يبدأ الأمر فكرة يجتمع عليها مجموعة من الناس ويعلنون عن أنفسهم فيجتمع عليهم من هو على فكرهم ثم يتكون حزب ويحضى بداعمين ثم يدخل في العملية السياسية الحديثة ويسعى للوصول للسلطة لتحقيق ما أمكن تحقيقه من أهداف الحزب ولا يوجد سياسي حزبي إلا وعنده ولاء لحزبه ودرجة من درجات البراء من الأحزاب الأخرى وسعي في مصلحة حزبه والإضرار بالأحزاب الأخرى بإفقادها شعبيتها لصالح حزبه وكذلك الدولة الوطنية مبنية على ولاء وبراء إذا فهمت ما سبق علمت أن سؤال ( هل يوجد ولاء وبراء في الإسلام ) أو السؤال المغالط الذي يقول ( هل الولاء والبراء من أصول الدين ) هو سؤال لا معنى له لأن الإنسان إذا لم يوال ويعادي على أساس الدين سيوالي ويعادي على أساس آخر فالمرء لا يعيش بدون ولاء وبراء فالولاء مجموعة ممارسات ثبوتية والإنسان محدود وممارساته محدودة فلا بد أن يركزها في جهة معينة أو يكون عنده معيار للترجيح عند تزاحم من يصلح أن تقع عليهم المنفعة وإلا عاش في تخبط ولم تحصل منفعة مرجوة مما يفعل ولما كان الناس يحملون عقائد متناقضة أو مصالح متضاربة ويدخلون في التنافس بناء على هذا الأساس فإن ولاءك لجماعة معينة يقتضي البراءة من الجماعة النقيض بدرجة من الدرجات وعليه فإن إيمانك بأن الدين هو القيمة العظمى لأن مصيرك الأبدي في الآخرة متعلق به وهو يجيب أسئتلك الوجودية ( من أين جئنا وإلى أين نذهب وما الغاية من وجودنا ) يحتم عليك أن يكون ولاؤك وبراؤك لهذه القيمة وإسقاط الولاء والبراء على الدين يقتضي أن يحل محله ولاء وبراء على معنى آخر ( وهذا ما يريدونه ) وجمعك بين الولاء والبراء على هذا المعنى وكونك متديناً هو تناقض بين وعليه فإن الولاء والبراء هو العمود الفقري لأي عمل لمصلحة الإسلام والمسلمين وإسقاط هذا المعنى بمنزلة كسر هذا العمود الفقري ثم يقال ( العمود الفقري ليس من الأصول ممكن أن يعيش الإنسان بلا عمود فقري ) بل هو بمنزلة قطع العنق والله فإن قيل : هم مشكلتهم مع البراء وأنه يقتضي ظلم الآخرين وقتلهم فيقال : لا يوجد أحد يقول أن البراءة من الكفار تقتضي أن تقتل كل كافر تراه في الشارع بل نصوص النهي عن الولاية أو نصوص البراءة من الكفار هي في الغالب أو الأعم في حق كفار يرجى منهم شيء من النفع أو مسالمون وإلا الكافر المحارب من كل وجه لا تحتاج أن تخاطب في التحذير من موالاته لأنك لا تواليه طبعاً والبراءة من الكفار لها درجات عديدة بعضها لا ينازع فيها حتى من يشوش ( وإن كان إسقاط مفهوم الولاء والبراء سيقتضي إسقاط هذه الدرجات ) مثل أنك لا تصلي عليه ولا تزوجه ابنتك ولا ترثه وغيرها فالولاء درجات والبراء درجات غير أن القوم يريدون الإجهاز على الأمة بالكلية لصالح الثقافة الغربية بجعلهم يستغنون عن الأساس الذي تصير به الأمة أمة ألا وهو الولاء والبراء فهم يعتبرون أنفسهم معتدلين ولهذا ستجدهم يدعمون من هو مثلهم وإذا رأوا متطرفاً مثلي ( في زعمهم ) فإن في الغالب سيسعون إلى تشويهه ومنع انتشار ما يكتب لأنهم يرون فيه ضرراً على الناس فلاحظ أنهم هنا مارسوا نوعاً من الولاء والبراء =