كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

تحريف الوحي مُذهب لبركة التمكين..

المصدر
تحريف الوحي مُذهب لبركة التمكين.. يتشوّف كثير من أبناء هذه الأمة إلى تمكين تام في هذه الدنيا نقتص به من أعدائنا وننعم فيه عيشاً. غير أن كثيراً منهم يظن أن ذلك لا يتم إلا من خلال التهاون مع البدع العقائدية التي انتشرت في الأمة، بحجة الاصطفاف لتحقيق هذا الهدف. قال تعالى: {وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (57) وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين (58) فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون} [البقرة]. هنا رب العالمين منَّ على بني إسرائيل مِنّة عظيمة بعدما عفا عنهم، فظلل عليهم الغمام ورزقهم المن والسلوى، ثم أباح لهم بيت المقدس وما فيه من الطيبات. فما الذي أعظم عنهم كل هذه البركات وجعل الرجز من السماء بديلا لها؟ أن الله أمرهم أن يذكروه ويدعوه بذكر معين فبدلوه، فبدلاً من أن يقولوا حطة قالوا (حنطة) (حبة في شعيرة) كما ورد في الأخبار. ولا تظنن أن هذه الأمة بمعزل عن هذا، فقد وُجِد فيها من حرف صفات الله عز وجل وزعم أن ظواهر النصوص تشبيه، وكلما وجدوا آية أو حديثاً يتوهمون منها مخالفة التنزيه وفقاً للذوق الأرسطي حرفوها وبدلوها. قال ابن القيم في النونية: أمر اليهود بأن يقولوا حطة ... فأبوا وقالوا حنطة لهوان وكذلك الجهمي قيل له استوى ... فأبى وزاد الحرف للنقصان ومن الناس من أمرهم رب العالمين بدعائه فأبوا إلا أن يبدلوا ويدعوا علياً والحسين وعبد القادر والبدوي، فهذا تبديل شديد. فمثل هذه الأمور وإن توهم المتوهم أنها لا تضر في معركتنا مع غير المسلمين إلا أنها من أسباب نزول الرجز وإفساد بركة التمكين. وقال تعالى: {فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون (79) وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون (80)}. أقول: فهنا بنو إسرائيل يحرفون الوحي فيكتبون كلاماً بأيديهم وينسبونه لله عز وجل، يحلون به الحرام ويحرمون الحلال، وينسبون لله عز وجل ما لا يليق من الصفات، ومنهم من ينكر الثابت، ثم يُمَنُّون أنفسهم بأنهم لن تمسهم النار إلا أياماً معدودات ما داموا يهوداً. وهذا يشبه حال من يظن أن المرء إذا كان منتسباً للملة ويشهد الشهادتين فإنه لن يخرج من الملة، ولو أشرك أو وقع في البدع المكفرة على وجه لا يعذر فيه ما دام متلفظاً بالشهادتين، فسبحان الله «لتتبعن سنن من كان قبلكم». وكثير من الناس يميلون إلى هذا المسلك -وإن لم يعتقد هذه المكفرات ولكن يتهاون مع أهلها- حباً في التجميع لأجل غاية التمكين، ولا يعلمون أن مثل هذه الأمور مجلبة لرجز السماء.