كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

علو الله عز وجل على خلقه مفتاح التسليم...

المصدر
علو الله عز وجل على خلقه مفتاح التسليم... مما يظهر من كثير من المعاصرين المنتسبين لأهل الحديث الحماس الشديد في قضايا توحيد الألوهية (الاستغاثة بالأولياء والذبح والنذر لهم) وقضايا التشريع والحكم، والرد على العالمانيين والليبراليين. ثم تجد هذا الحماس يضعف إن جاء الكلام على أسماء الله وصفاته، خصوصاً الصفة الأظهر مطلقاً "علو الله عز وجل على خلقه" يقول ابن رشد كتاب «مناهج الأدلة في الرد على الأصولية»: «القول في الجهة، وأما هذه الصفة فلم يزل أهل الشريعة، من أول الأمر، يثبتونها لله سبحانه وتعالى، حتى نفتها المعتزلة، ثم تبعهم على نفيها متأخرو الأشعرية، «كأبي المعالي» ومن اقتدى بقوله، وظواهر الشرع كلها تقتضي إثبات الجهة، مثل قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5) } [طه: 5] ومثل قوله تعالى: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} [البقرة: 255] ومثل قوله: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (17) } [الحاقة: 17] ومثل قوله تعالى: {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ (5) } [السجدة: 5] ومثل قوله: {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} [المعارج: 4] ومثل قوله: {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (16) } [الملك: 16] إلى غير ذلك من الآيات، التي إن سلط التأويل عليها عاد الشرع كله مؤولًا". تأمل كلمة ابن رشد (عاد الشرع كله مؤولاً) يعني إن تم تأويل هذه الصفة، وأقر كلمته هذه ابن تيمية وابن القيم. ومن العجب أنني وجدت في القرآن في مواطن عديدة إن نبه على شرك المشركين في عبادة غير الله، أو طاعة غيره في تحليل ما حرم الله، أو تحريم ما أحل، تذكر صفة العلو، وكأن في ذلك إشارة إلى الرد على من جعل هذه المسألة دون المسائل الأخرى المشار إليها. قال تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير (22) ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير}[سبإ]. تأمل لما أنكر شرك المشركين، وبين سوء فهمهم لمسألة الشفاعة، ذكر سبحانه كلامه للملائكة وأنهم يصعقون إذا سمعوه، حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا في كلامه {الحق وهو العلي الكبير}. وكلام الله متى شاء بما شاء تنكره الجهمية بأصنافها، ولو كان كلام الله ليس فعلياً اختيارياً كما تقول الأشعرية لم تزل الملائكة مصعوقة. ثم تأمل قوله {وهو العلي الكبير} ذكروا صفة العلو، والشيء إن كان عالياً جداً ربما صغر في الأعين، فالقرن بين اسم (العلي) واسم (الكبير) لدفع هذا التوهم. وفي ذلك إشارة إلى رؤية الله عز وجل، فالله يُرى يوم القيامة، يراه المؤمنون من فوقهم كما يرون القمر، ولا يصغر في أعينهم سبحانه، بل لا يحيطون به، وهذا بعض الخلق كالسماء تراها ولا تحيط به، ولله المثل الأعلى. وهذه الثلاثة: (الكلام)؛ و (العلو)؛ و (الرؤية) هي أساس خلاف أهل الإسلام مع الجهمية، فتأمل أنها جاءت مقترنة مع بعضها البعض في الآية، وكأن الآية نزلت بعد ظهور الجهمية لا قبل ظهورهم. وقال تعالى: {ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي الكبير}[الحج]. وهنا التنبيه على شرك المشركين في دعاء غير الله عز وجل، وفي آخر الآية {وأن الله هو العلي الكبير }. أول الآية فيها رد على من يدعو البدوي؛ وعبد القادر؛ والحسين؛ وعلي، وآخرها فيها الرد على من ينفي علو الله على خلقه. وقد اجتمعت هذه الأحوال كلها في الصوفية والرافضة في زماننا. واعجب ممن يحكم عليهم بالشرك في أمر الاستغاثة، ثم يحمر أنفه عليهم في أمر الصفات، ويتحدث عن وحدة إسلامية! فهل ستوالي نصفه الجهمي وتترك نصفه القبوري! وقال تعالى: {ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير}[غافر]. وهذه الآية تتمة الباب {فالحكم لله} أمر الحاكمية الذي يتكلم به كثيرون، ويحصرونه ببعض صوره، تأمل كيف قرن في الآية بين قوله (فالحكم لله) وذكر صفة العلو لله عز وجل. ما كان أن تفرق دين الله عز وجل، فتهون من شأن ما لا ترى فيه نفعاً دنيوياً لك، وتشدد في الآخر.