خلاصة ضلال الضالين الطعن في صفتي العلم والقدرة..
خلاصة ضلال الضالين الطعن في صفتي العلم والقدرة..
قال تعالى: {الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما} [الطلاق]
أقول: تفكرت بذكر الخلق ثم الوحي ثم ذكر صفتي العلم والقدرة فبدا لي أن ضلال عموم الخلق من عدم فهم هاتين الصفتين كما ينبغي.
فكفار قريش الذين عبدوا مع الله غيره وأنكروا البعث وأنكروا الرسالة قد ضلوا في هاتين الصفتين.
أما صفة العلم فما قدروها حق قدرها لما عبدوا مع الله عز وجل غيره وقالوا هؤلاء وسطاء بيننا وبين الله، فأثبتوا لهؤلاء الوسطاء العلم بأحوالهم على التفصيل وسماع نداءاتهم واستغاثاتهم في كل مكان، وهذا لا يكون إلا لله، وقد ورثهم في هذا الظن القبورية المنتسبون للملة.
ثم إن ملوك الدنيا يحتاجون إلى وسطاء لقصورٍ في علمهم، فلا يعلمون كل محتاج، وأما رب العالمين فيعلم السر وأخفى.
وحين يجعل اللهُ الشفاعةَ للأنبياء يوم القيامة يكون هو عالمًا بالشافع والمشفوع ولا يكون ذلك إلا بإذنه والشافع يسأله وهو يجيب.
وأما صفة القدرة فكثير منهم يظن في الأوثان التي يعبدها والأولياء الذين يتقرب إليهم مقدرةً عجيبةً وأنهم قادرون على تسبيب الأسباب، فأنت قد تسأل حيًّا قادرًا في أمر ما رأيت بعينك أسباب هذا الأمر بين يديه، كأن يكون عند شخص جيش فتسأله النصرة، ولكن إن غيَّبه الموت وانقطعت الأسباب الحسية فلا يمكنك سؤاله، كما أنك تسأله شيئًا معينًا أسبابه عنده والأشياء الأخرى لا تسأله إياها، بل ربما يسألك هو، ولكن الله وحده القدير الذي تسأله كل شيء وهو يسبب الأسباب في أي وقت، فجاء الوثنيون وأثبتوا هذه الخصلة لمعبوداتهم فشبَّهوا قدرتهم بقدرة الله.
وكذلك إنكارهم للبعث، ظنوا عجز رب العالمين عن أن يعيد الخلق، تعالى الله، فكفروا بالقدرة وظنوا أن الله لا يعلم ما تأكل الأرض منهم وأنه ليس عليمًا بأعمالهم، فكفروا بالعلم مع أنهم يثبتونه خالقًا ويسألونه، والخالق لا يكون إلا قديرًا عليمًا.
وكذلك إنكارهم للوحي هو استهانة بصفة العلم، فالعليم الرحيم يوصل علمه للناس بالكلام، وهم أنكروا الوحي، ولهذا كان السلف يذكرون صفة العلم في إنكارهم على الجهمية حين كفروا بأن الله يتكلم بما شاء متى شاء.
وأما الفلاسفة الذين قالوا بقدم العالم وأنكروا علمه سبحانه بالجزئيات وأنكروا بعث الأجساد فضلالهم في صفتي العلم والقدرة واضح وهو من جنس كفر كفار قريش بل أظهر.
وأما أهل الكلام فتاهوا في صفة القدرة حين نفوا أفعال الله عز وجل الاختيارية وزعموا أنه سبحانه بدأت أفعاله بفعل معين لم يكن قبلها فاعلًا هروبًا من التسلسل بزعمهم، وهو الأول الذي لا بداية له، فنسبوه للعجز وأنه انتقل من الامتناع عن الفعل إلى الإمكان، فكل إنسان لو سألته: هل يجوز في عقلك أن يكون الله تكلم وخلق قبل عالمنا هذا بألف سنة؟ فسيقول نعم، ولو قلت له: فلو كان قبل هذا العالم بألفين؟ سيقول نعم، ولن يقول لا في أي وقت، لأن الله أول لا بداية له وقدرته تعمل في كل حين، لهذا لا يوجد فعل يمكن أن نقول هو أول أفعال الله على الإطلاق، كما أنه لا يوجد فعل يمكن أن نقول هو آخر أفعال الله على الإطلاق.
وأما ضلالهم في صفة العلم فحين زعموا أن الله سبحانه لا يوصل علمه القائم بذاته إلى عباده بالكلام بما شاء متى شاء، فيعلمهم من علمه ولا يحيطون بكامل علمه، فالعليم من كماله أن يكون معلمًا مَن يحتاج إلى علمه، وذلك يكون بالكلام {وعلمناه من لدنا علما}.
وأما القدرية فمنهم من نفى علم الله بالأشياء قبل وقوعها، وهذا ضلاله واضح، ومنهم من زعم أن الله لا يخلق أفعال العباد، فزعموا أن العباد يعصونه كرهًا، والواقع أن كل شيء يقع في الدنيا بمشيئته وحكمته، وما يشاءون إلا أن يشاء الله، فهم لهم قدرة ولكن لا تخرج عن قدرته، وهو يخلق ولو شاء لمنعهم.
وهذا من فضله، قال الذهبي في تاريخ الإسلام: "قال محمد بن سعيد الخريمي، عن هشام بن عمار: سمعت شهاب بن خراش يقول: أراد القدرية أن يصفوا الله بعدله فأخرجوه من فضله".
وكذلك العالماني إما أن يزعم أنه أعلم من الله تعالى أو أن الله ما أوحى للناس علمًا وترك البشر يتخبطون بعقولهم وأهوائهم.
وفي الآية التفريق بين الخلق والأمر، أيِ التفريق بين فعل الله ومفعوله، وهذا ركن كبير في الرد على أهل الكلام والفلاسفة.