لماذا حسدوه؟
لماذا حسدوه؟
قال ابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٤/٣٤٦): "أخبرنا أبو القاسم بن السمرقندي أنا أحمد بن محمد وعبد الباقي بن محمد وقالا أنا أبو طاهر الذهبي أنا عبيد الله السكري نا أبو زكريا المنقري نا الأصمعي نا العلاء بن جرير عن أبيه قال قال الأحنف: لا ينبغي للوالي أن يحسد لأن خطره عظيم قد عظم من المحازاة، والولاة تحسد على حسن التدبير".
أقول: حين قرأت "والولاة تحسد على حسن التدبير" فهمت الأمر وذلك أنهم مخاطَبون بحسن التدبير لهذا إذا رأوه في غيرهم تُشوفهم نفوسهم إليه وشعروا بالغيرة ما لم يصدهم دين وورع أو مروءة.
ولكنني سألت نفسي: على ماذا يحسد طلبة العلم ما دام كل صنف من الناس له نوع معين من الحسد؟
وما طالت حيرتي حتى وجدت جوابًا في البداية والنهاية لابن كثير.
قال ابن كثير في البداية والنهاية (١٨/ ٤٥-٤٦): "وفي رجب منها أحضر إلى الشيخ تقي الدين ابن تيمية شيخ كان يلبس دلقا كبيرا متسعا جدا، يسمى المجاهد إبراهيم القطان، فأمر الشيخ بتقطيع ذلك الدلق، فتناهبه الناس من كل جانب، وقطعوه حتى لم يدعوا منه شيئا، وأمر بحلق رأسه، وكان ذا شعر، وقلم أظفاره، وكانوا طوالا جدا، وحف شاربه المسبل على فمه، المخالف للسنة، واستتابه من كلام الفحش، وأكل ما لا يجوز أكله من المحرمات، ومما يغير العقل من الحشيشة وغيرها. وبعده استحضر الشيخ محمد الخباز البلاسي، فاستتابه أيضا عن أكل المحرمات، ومخالطة أهل الذمة، وكتب عليه مكتوبا أن لا يتكلم في تعبير المنامات ولا في غيرها مما لا علم له به.
وفي هذا الشهر بعينه راح الشيخ تقي الدين ابن تيمية إلى مسجد النارنج، وأمر أصحابه ومعهم حجارون بقطع صخرة كانت هناك بنهر قلوط -تزار وينذر لها- فقطعها، وأراح المسلمين منها ومن الشرك بها، فأزاح عن المسلمين شبهة كان شرها عظيما، وبهذا وأمثاله حسدوه وأبرزوا له العداوة، وكذلك بكلامه في ابن عربي وأتباعه، فحسد على ذلك وعودي، ومع هذا لم تأخذه في الله لومة لائم، ولا بالى".
وقال ابن كثير في (١٨/٥٠): "وأبان الشيخ علما وشجاعة في هذه الغزوة، وقد امتلأت قلوب أعدائه حسدا له وغما".
وقال ابن كثير في (١٨/ ٥٣): "وكان للشيخ تقي الدين من الفقهاء جماعة يحسدونه لتقدمه عند الدولة، وانفراده بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وطاعة الناس له، ومحبتهم له، وكثرة أتباعه، وقيامه في الحق، وعلمه وعمله".
أقول: تلاحظ استتابة الشيخ للرجل من (مخالطة أهل الذمة) والقصد من ذلك مخالطةٌ من نوعٍ تجعله يقر المنكرات ويتأثر بها ويميل قلبه إليهم، وحُقَّ له استتابته من هذا، غير أن هذا ثقيل على نفوس أهل العصر الذين تأثروا بالمفاهيم الوطنية.
الذي يتحصل من كلام ابن كثير أن الشيخ تميز بكثرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا هو سمت الذين يُعظمون الشيخ إلى يومنا هذا.
وورثة حسدته يحسدونهم على هذا ويتحرون تشويههم عند العامة ولو بالاستفادة من مفاهيم ليبرالية تعزز الفردانية.
فإن قال قائل: رجل يأمر وينهى فيطيعه الناس ويحبونه، ما الذي أغاظ هؤلاء وجعلهم يحسدونه؟ ولماذا يفسر ابن كثير الأمر على الحسدِ والخلافُ العقدي حاضر؟
فالجواب: إن كثيرًا ممن يُظهر الفقه أو التدين يكون مداهنًا للناس عسى أن ينال رضاهم، فإذا رأى مَن يصدع بالحق ومع ذلك لا ينفر منه الناس فإنه يصيبه لذلك غيظ شديد ويريد من هذا المحسود أن يصير مثله فتستوي الرؤوس.
وإذا كان من مذهب فقهي أو عقدي آخر زاد ذلك غيظه وكرَّس ما عنده من العلم والذكاء ليظهره على حال سوء، ويصير يتتبع زلاته ويشيع عنه الإشاعات الكاذبة، وربما خشي من أن يأخذ منزلته.
كما أنهم يحسدون على حسن السبك والمقدرة على التعبير وسعة الاطلاع وغيرها من المعاني كما تحسد الملوك على حسن التدبير مع ما عندها من الدنيا، وقد حسد الشيخَ قضاةٌ وأعلام.
يقول مفتي مكة أحمد زيني دحلان في كتابه الدرر السنية في الرد على الوهابية: "والحاصل أنه –أي الشيخ محمد بن عبد الوهاب- لبَّس على الأغبياء ببعض الأشياء التي تُوهمهم بإقامة الدين، وذلك مثل أمره للبوادي بإقامة الصلاة والجماعة ومنعهم من النهب، ومن بعض الفواحش الظاهرة كالزنا واللواط، وكتأمين الطرق والدعوة إلى التوحيد، فصار الأغبياء الجاهلون يستحسنون حاله وحال أتباعه".
وهذا إذا تأملتَه هو من جنس ما ذكر ابن كثير، وهذا يفسر لك كثرة الكذب والتربص على الشيخ.