كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

حفظ كرامة المؤمن من حفظ الشرع (وإذا سألت فاسأل الصالحين).

المصدر
حفظ كرامة المؤمن من حفظ الشرع (وإذا سألت فاسأل الصالحين). قال النسائي: "83- باب سؤال الصالحين. 2606- أخبرنا قتيبة، قال: حدثنا الليث، عن جعفر بن ربيعة، عن بكر بن سوادة، عن مسلم بن مخشي، عن ابن الفراسي، أن الفراسي قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أسأل يا رسول الله؟ قال: لا، وإن كنت سائلا لا بد، فاسأل الصالحين". أقول: هذا الخبر عند أبي داود وفي سنده جهالة اثنين، غير أن تخريج النسائي في الصغرى يقوي من شأن الخبر، ويجعله محتملاً في أقل حالاته، ثم إن له شواهد في عامة معناه. ففي الخبر الذي رواه أبو داود والترمذي من حديث أبي سعيد الخدري: "لا تصاحب إلا مؤمنا، ولا يأكل طعامك إلا تقي". والنهي عن (ألا يأكل طعامك إلا تقي) في معنى الأمر (ألا تسأل إلا الصالحين) كلها تجتمع في مباعدة التعامل الودي مع أهل الفسق. غير أن الخبر فيه معنى ينبغي التنبه له، وهو أن الأمر بألا يسأل إلا الصالحين فيه صيانة النفس فإن الفاسق لا يُؤمن منه المن والأذى، أو الزجر المؤذي. قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى}. وقال تعالى: {وأما السائل فلا تنهر}. والصالح يطبق هذه الأوامر بخلاف الفاسق. وفي النهي عن سؤال غير الصالحين معنى آخر وهو أن المرء إذا سأل الفاسق أو المبتدع صار له عليه يد، وربما حمل ذلك الصالح على ترك النهي عن المنكر حياءً من الفاسق الذي أعانه في الملمات. وهذا معنى شاهده السلف. قال البيهقي في الشعب: "8975 - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن محمد بن يحيى، سمعت أبا محمد بن منصور، سمعت محمد بن عبد الوهاب، سمعت علي بن عثام، يقول: قال الثوري: "أتروني أخاف أن يضربوني إن أتيتهم؟ ولكني أخاف أن يكرموني فيفتنوني -يعني السلاطين-". وهذا إسناد قوي للثوري. وقال أبو إسماعيل الأنصاري في ذم الكلام: "1343 -سمعت علي بن الحسن أبا الحسن النيسابوري وكيل القضاء يقول: (علت العصمية وقتاً على المزنية، فدخل جماعة من العيارين دار أبي سعد الزاهد يطلبون حنطة أودعها عند بعض المزنية، فسمع بذلك محبوب أبو عاصم الحاكم؛ فخرج في نعلي الوضوء مسرعاً، ودخل دار أبي سعد، فأخرجهم وصاح بهم، فأخبر أبو سعد؛ فقال: ليت الحنطة أغير عليها ولم تقع لذلك المرجئ على يد)". هذا رجل زاهد استنقذ رجل مرجيء له مالاً في فتنة حصلت في البلد، فقال وددت أن ذهب مالي ولم يكن لهذا المرجيء علي منة. ومن هنا تفهم أن تعظيم المخالفين بحيث يفتح طالب العلم عينيه على كلامهم دون أن يعرف أهل السنة مآله تعظيمهم في القلوب وبالتالي تهوين منكراتهم، وقد قال الأوائل: "من وقر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام". هناك فرق بين إنصاف المخالفين وبين تعظيمهم وإنزالهم منازل علماء أهل السنة، والخلط بين المقامين يترتب عليه مفاسد عظيمة أقربها ذهاب استقباح البدع من القلوب.