كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

آثار منسية في منكر العلو...

المصدر
آثار منسية في منكر العلو... مسألة علو الله عز وجل على خلقه لها خصوصيات من دون المسائل التي تنازع الناس فيها. فمن ذلك: أنها مسألة امتحن بها النبيُّ ﷺ جارية، فسألها «أين الله؟» وجعل ذلك فيصلاً بين الإيمان والكفر، فلو أجابت بغير هذه الإجابة «في السماء» ما كانت مؤمنة، وهذا حديث رواه المتبوعون مالك والشافعي وأحمد، وخرجه عامة أهل الحديث وقبلوه بلا تنازع. ومن ذلك: أن الطوائف التي نازعت أهل السنة في الصفات الاختيارية أو مسألة الكلام عامتها تثبت العلو، كاللفظية والواقفة والسالمية والكرامية والكلابية ومتقدمي الأشعرية؛ ولذلك كان ابن تيمية يأتي بكلام هؤلاء في «الحموية» ليظهر للأشاعرة المتأخرين أنهم منفردون بنفي العلو من دون جماهير المتكلمين، وأنه ليس معهم إلا الجهمية المحضة والمعتزلة، وأن البقية يتشككون في الاستواء؛ لأنه فعل اختياري، دون العلو المطلق فهذا يثبتونه. ومن ذلك: أن القوم في محنة القول بخلق القرآن أظهروا القول بخلق القرآن وإنكار الرؤية ولم يظهروا نفي العلو؛ لعظيم نفرة الناس ممن ينفيه (نبه على هذا المعنى ابن تيمية في بيان التلبيس وغيره من مصنفاته). ولهذا لو فُرض تسامح في مسألة كلام الله فهذا لا ينطبق على مسألة العلو ضرورة، ولو وُجدت شدة فإنها تنطبق من باب أولى. ومن ذلك: أن هذه المسألة جعلها السلف أساس معرفة الله تبارك وتعالى. قال عبد الله في «السنة»: "22- حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، ثنا علي بن الحسن بن شقيق، قال: سألت عبد الله بن المبارك كيف ينبغي لنا أن نعرف ربنا عز وجل؟ قال: على السماء السابعة على عرشه، ولا نقول كما تقول الجهمية إنه هاهنا في الأرض". وأورده الدارمي في «الرد على المريسي» والبخاري، وقال أحمد: هكذا هو عندنا. يعني أن من لم يعرف أن الله عز وجل في علوه فلم يعرف الله تبارك وتعالى، وقال الدارمي في «الرد على المريسي»: "ومن لم يعرف أن إلهه فوق عرشه، فوق سمواته، فإنما يعبد غير الله". والآن مع الآثار: الأثر الأول: ذكر ابن أبي حاتم بإسناده عن الأصمعي قال: "قدمت امرأة جهم فقال رجل عندها: الله على عرشه. فقالت: محدود على محدود؟! فقال الأصمعي: هي كافرة بهذه المقالة". هذا الأثر احتج به ابن تيمية وابن القيم والذهبي وابن المحب، فانظر كيف بادر إلى تكفيرها بمجرد إنكارها لعلو الله عز وجل على خلقه، وما كان ذلك محل إنكار عند أهل العلم. الأثر الثاني: قال عبد الله بن أحمد في «السنة»: "10- حدثني أحمد بن سعيد أبو جعفر الدارمي، قال: سمعت أبي يقول: سمعت خارجة، يقول: "الجهمية كفار بلغوا نساءهم أنهن طوالق، وأنهن لا يحللن لأزواجهن لا تعودوا مرضاهم ولا تشهدوا جنائزهم، ثم تلا {طه} [طه: 1] {ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى} [طه: 2] إلى قوله عز وجل {الرحمن على العرش استوى} [طه: 5] وهل يكون الاستواء إلا بجلوس"". وكذلك أورده الخلال، وهذا معناه أنهم يعتدون بمعناه، وهو من الحجج القوية على المفوضة والمحرفة (المؤولة)، وخارجة وإن كان في نفسه ضعيفاً إلا أنه سليم المعتقد في الصفات واحتج بخبره أئمة، وواضح هنا أنه يطلق الحكم على الأعيان ويعمم، بدليل قوله (كفار)، ثم إلحاقه ذلك بفتيا تنزل على أعيان متعلقة بالمناكحة والطلاق، ويخاطب بها عوام لا يفهمون سوى الظواهر، وواضح أن مورد كلامه صفة العلو. الأثر الثالث: قول البخاري في «خلق أفعال العباد»: "نظرت في كلام اليهود والنصارى والمجوس فما رأيت أضل في كفرهم منهم، وإني لأستجهل من لا يكفرهم إلا من لا يعرف كفرهم". وقوله: "ما أبالي صليت خلف الجهمي الرافضي أم صليت خلف اليهود والنصارى، ولا يسلم عليهم، ولا يعادون، ولا يناكحون، ولا يشهدون، ولا تؤكل ذبائحهم". فهذا تكفير للأعيان واضح، فقد أطلق التكفير ثم ربط الأمر بأحكام متعلقة بالأعيان، كالصلاة خلفهم ومناكحتهم، وأكَّد الأمر بمقارنتهم باليهود والنصارى، لا يرِد على كلامه أي تأويل. والجهمي عند البخاري في الكتاب نفسه ما ذكره عن يزيد بن هارون: "من زعم أن الرحمن على العرش استوى على خلاف ما يقر في قلوب العامة فهو جهمي، ومحمد الشيباني جهمي". وقال البخاري أيضاً: "وقال محمد بن يوسف: من قال إن الله ليس على عرشه فهو كافر، ومن زعم إن الله لم يكلم موسى فهو كافر". وهؤلاء هم أهل الورع والديانة من السلف الكرام، من ظن في نفسه أنه أورع منهم فهو مغرور، وهم عالمون بشبهات القوم؛ ولكن عدوها من جنس كلام الزنادقة الذين يوردون ما يوردون على المعارف الفطرية. وقال ابن خزيمة: "من لم يقر بأن الله تعالى على عرشه قد استوى فوق سبع سماواته، فهو كافر بربه يستتاب، فإن تاب، وإلا ضربت عنقه، وألقي على بعض المزابل حيث لا يتأذى المسلمون، والمعاهدون بنتن ريح جيفته، وكان ماله فيئا لا يرثه أحد من المسلمين، إذ المسلم لا يرث الكافر كما قال ﷺ". ومن الظريف أن يصير ابن خزيمة مقاساً على القوم الذين يكفرهم.