كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

هل المعتزلة داخلون في الاثنتين وسبعين فرقة عند ابن تيمية؟

المصدر
هل المعتزلة داخلون في الاثنتين وسبعين فرقة عند ابن تيمية؟ قد قلت مراراً أن تحرير موقف عالم معين من مسألة ما، لا يعني ضرورة تحرير الصواب عند الباحث، وأن مخالفة عالم لا تعني ضرورة تضليله وقد نتفق في الأصول ونختلف في بعض التفريعات ولكن من حق العالم أن يحرر قوله على وجهه، وحين يقول إنسان أنا لست على مذهب العالم الفلاني ثم تنعت من يخالف فهمك لمذهبه بألفاظ التبديع والتضليل فهذا تناقض واضح! فهدانا الله جميعًا لما فيه طاعته ورضاه. حين يقول شيخ الإسلام أنه ما من فرقة من الثنتين وسبعين فرقة إلا وفيها مؤمنون فهل هو يعني ضرورة أهل الكلام ومنهم المعتزلة؟ وهل يصف من يكفر المعتزلة، بالخوارج؟ لنرى.. قال ابن القيم كما في مختصر الصواعق المرسلة: «فتأمل هذه الأخوة التي بين هؤلاء وبين هؤلاء المعتزلة الذين اتفق السلف على تكفيرهم، وأنهم زادوا على المعتزلة في التعطيل فالمعتزلة قالوا: هذا الكلام العربي هو القرآن حقيقة لا عبارة عنه، وهو كلام الله، وإنه غير مخلوق». ابن القيم يدعي الاتفاق على تكفير المعتزلة لقولهم بخلق القرآن ولكن لعل شيخه له رأي آخر؟ قال ابن تيمية في النبوات (2/615): «ولكنّ لفظ الكلام لمّا كان مجملاً، لم يعرف كثيرٌ من الناس الفرق بين الكلام الذي ذموه، وغيره؛ فمن الناس من يظن أنّهم إنّما أنكروا كلام القدرية فقط؛ كما ذكره البيهقي وابن عساكر في تفسير كلام الشافعيّ، ونحوه؛ ليُخرجوا أصحابهم عن الذمّ، وليس كذلك؛ بل الشافعي أنكر كلام الجهمية؛ كلام حفص الفرد، وأمثاله، وهؤلاء كانت منازعتهم في الصفات، والقرآن، والرؤية، لا في القدر. وكذلك أحمد بن حنبل خصومه من أهل الكلام هم الجهمية، الذين ناظروه في القرآن؛ مثل أبي عيسى محمد بن عيسى برغوث؛ صاحب حسين النّجّار، وأمثاله؛ ولم يكونوا قدريّة، ولا كان النزاع في مسائل القدر. ولهذا يُصرّح أحمد، وأمثاله من السلف بذمّ الجهميّة، بل يكفرونهم أعظم من سائر الطوائف. وقال عبد الله بن المبارك، ويوسف بن أسباط، وغيرهما: أصول أهل الأهواء أربع: الشيعة، والخوارج، والمرجئة والقدرية. فقيل لهم: الجهمية؟ فقالوا: الجهمية ليسوا من أمّة محمد. ولهذا ذكر أبو عبد الله بن حامد عن أصحاب أحمد في الجهمية: هل هم من الثنتين وسبعين فرقة؟ وجهين؛ أحدهما: أنّهم ليسوا منهم؛ لخروجهم عن الإسلام». هنا ابن تيمية يقول أن أحمد والشافعي ذما الجهمية وتكلما في تكفيرهم ما لم يتكلما في تكفير فئة أخرى وأن هناك رواية في مذهب أحمد تخرج هؤلاء الجهمية من الثنتين وسبعين فرقة. وما هو مناط تكفيرهم؟ مناط تكفيرهم قولهم بخلق القرآن بدليل ذكر الشيخ لحفص الفرد وحفص إنما أخذ عليه القول بخلق القرآن وعامة المعتزلة يوافقونه على هذا وبدليل قول الشيخ أن ابن عساكر والبيهقي تأولا كلام الشافعي ليخرجا أصحابهما من الذم (يعني الأشعرية الذين صرحوا بخلق القرآن) فإذا كان الأشاعرة المتأخرون داخلين في ذم الشافعي في ميزان الشيخ فما بالك بالمعتزلة؟ فهل هذه الرواية في مذهب أحمد مذهب خوارج؟ ثم إن الشيخ ما انتظر استنباطي بل هو صرح بدخول المعتزلة في هذه الرواية في مواطن أخرى من كتبه. قال الشيخ كما في مجموع الفتاوى(12/ 524): «والأئمة الذين أمروا بقتل مثل هؤلاء الذين ينكرون رؤية الله في الآخرة ويقولون: القرآن مخلوق ونحو ذلك قيل إنهم أمروا بقتلهم لكفرهم وقيل لأنهم إذا دعوا الناس إلى بدعتهم أضلوا الناس فقتلوا لأجل الفساد في الأرض وحفظا لدين الناس أن يضلوهم. وبالجملة فقد اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن الجهمية من شر طوائف أهل البدع حتى أخرجهم كثير عن الثنتين والسبعين فرقة. ومن الجهمية: المتفلسفة والمعتزلة الذين يقولون: إن كلام الله مخلوق وإن الله إنما كلم موسى بكلام مخلوق خلقه في الهواء وإنه لا يرى في الآخرة - وإنه ليس مباينا لخلقه وأمثال هذه المقالات التي تستلزم تعطيل الخالق وتكذيب رسله وإبطال دينه». فهو هنا يصرح أن كثيراً من السلف أخرجوا المعتزلة الذين ينكرون الرؤية ويقولون بخلق القرآن وينكرون العلو من الثنتين والسبعين فرقة. وقال الشيخ في الدرء (7/110): «وقال يوسف بن أسباط وعبد الله ابن المبارك: أصولي الثنتين وسبعين فرقة أربع: الخوارج والشيعة، والمرجئة والقدرية. فقيل لابن المبارك: فالجهمية: فأجاب بأن أولئك ليسوا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم. ولأصحاب أحمد في الجهمية: هل هم من الثنتين وسبعين فرقة، أم هم خارجون عنها كالملاحدة والزنادقة؟ - قولان. والجهمية باتفاقهم هم نفاة الصفات الذين يقولون إن الله ليس فوق العالم، ولا يرى، ولا تقوم به صفة ولا فعل. وابن كلاب ومتبعوه خالفوهم في العلو والصفة، ووافقوهم على نفي الأفعال القائمة به، وغيرها مما يتعلق بمشيئته وقدرته، فكيف يمكن مع هذا أن يقال: إن السلف كانوا من القائلين بنفي العلو والصفات». = = ويقول الشيخ كما في الفتاوى الكبرى (4/194): «والبدعة التي يعد بها الرجل من أهل الأهواء ما اشتهر عند أهل العلم بالسنة مخالفتها للكتاب والسنة: كبدعة الخوارج، والروافض، والقدرية، والمرجئة، فإن عبد الله بن المبارك، ويوسف بن أسباط، وغيرهما قالوا: أصول اثنتين وسبعين فرقة هي أربع. الخوارج، والروافض، والقدرية، والمرجئة. قيل لابن المبارك: فالجهمية؟ قال: ليست الجهمية من أمة محمد. والجهمية نفاة الصفات الذين يقولون: القرآن مخلوق، وأن الله لا يرى في الآخرة، وأن محمدا لم يعرج به إلى الله، وأن الله لا علم له ولا قدرة ولا حياة، ونحو ذلك كما يقوله المعتزلة والمتفلسفة ومن اتبعهم. وقد قال عبد الرحمن بن مهدي: هما صنفان، فاحذرهما: الجهمية والرافضة». تأمل: (كما يقوله المعتزلة) وقال في الرد على المنطقيين ص145: «والجهمية قالوا: “الإيمان مجرد معرفة الله“، وهذا القول وان كان خيرا من قولهم فانه جعله معرفة الله بما يلزم ذلك من معرفة ملائكته وكتبه ورسله وهؤلاء جعلوا الكمال معرفة الوجود المطلق ولو أحقه وهذا أمر لو كان له حقيقة في الخارج لم يكن كمالا للنفس إلا بمعرفة خالقها سبحانه وتعالى. فهؤلاء الجهمية من أعظم مبتدعة المسلمين بل جعلهم غير واحد خارجين عن اثنتين وسبعين فرقة كما يروى ذلك عن عبد الله بن المبارك ويوسف بن أسباط وهو قول طائفة من المتأخرين من أصحاب احمد وغيرهم وقد كفر غير واحد من الأئمة كوكيع بن الجراح وأحمد بن حنبل». قول جهم هذا نص الشيخ على أن الأشعري والباقلاني نصراه ولكن كيف أنزل الشيخ الخلاف في إدخال الجهمية في الثنتين وسبعين فرقة على من قال بهذا القول فقط فما بالك بإنكار العلو وإنكار الرؤية والقول بخلق القرآن! ولكن نلاحظ أن ابن تيمية ينسب هذا القول مراراً لأصحاب أحمد فما موقفه هو منه؟ قال الشيخ كما في مجموع الفتاوى (5/122): «فالجهمية، النفاة الذين يقولون: لا هو داخل العالم ولا خارج العالم ولا فوق ولا تحت؛ لا يقولون بعلوه ولا بفوقيته؛ بل الجميع عندهم متأول أو مفوض وجميع أهل البدع قد يتمسكون بنصوص، كالخوارج والشيعة والقدرية والمرجئة وغيرهم؛ إلا الجهمية، فإنه ليس معهم عن الأنبياء كلمة واحدة توافق ما يقولونه من النفي. ولهذا قال ابن المبارك ويوسف بن أسباط: “الجهمية“، خارجون عن الثلاث وسبعين فرقة وهذا أعدل الوجهين لأصحاب أحمد ذكرهما أبو عبد الله ابن حامد وغيره». فهنا الشيخ يصرح بموافقة هذا الوجه فيقول (وهو أعدل الوجهين) ولاحظ أنه هنا ما اشترط في الجهمي الذي ينطبق عليه كلام ابن حامد أكثر من إنكار العلو. والخلاصة: إن النزاع في تكفير الجهمية وفروعها فيه محل وفاقي وهو أن أقوالهم متضمنة للكفر الأكبر والكل متفقون على أنه بعد قيام الحجة يخرج المرء منهم من الملة وأن القرآن والسنة فيهما هدى ونور وشفاء لما في الصدور وأنه وقع من السلف التكفير لعدد من الأعيان ببعض مقالاتهم أو ما يشبهها أو ما هو أهون منها وإنما النزاع في مساحة ضيقة في تعريف قيام الحجة والقرائن التي بها نتأكد من قيام الحجة وهل حقاً تحتاج بعض الضلالات لقيام حجة أم الأمر واضح، هذه المساحة من الخلاف بعد تلك المساحة الواسعة من الوفاق يقيم البعض عليها ولاءاً وبراءاً عظيمين أعظم من الولاء والبراء على مسائل العقيدة الأصلية وهذه قلة عقل وتعصب ولا أدري ما دافعه.