كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

ألهاكم التكاثر يا مشاهير مواقع التواصل.

المصدر
ألهاكم التكاثر يا مشاهير مواقع التواصل. قال تعالى: {ألهاكم التكاثر (1) حتى زرتم المقابر}. قال المروذي: "قرئ على أبي عبد اللَّه -يعني أحمد ابن حنبل - : عن قتادة ويونس في تفسير شيبان عن قتادة: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ}، قال: كانوا يقولون: نحن أكثر من بني فلان، ونحن أعزّ من بني فلان، وكل يوم يتساقطون إلى الأرض -قال يونس: يتساقطون إلى الآخرة- واللَّه ما زالوا كذلك حتى صاروا من أهل القبور". "الورع" (635). أقول: هذا تفاخر الجاهليين، وأما التفاخر في زماننا (فنحن أكثر بطولات من البلد الفلاني). ومن تفاخر أهل زماننا كذلك، التفاخر بأعداد المتابعين، وأن فلاناً أكثر متابعين من فلان، ولا يدري أنه سيسأل عن هؤلاء المتابعين. قال البخاري في صحيحه: "6268 - حدثنا عمر بن حفص، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش، حدثنا زيد بن وهب، حدثنا والله أبو ذر، بالربذة قال: كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في حرة المدينة عشاء، استقبلنا أحد، فقال: «يا أبا ذر، ما أحب أن أحدا لي ذهبا، يأتي علي ليلة أو ثلاث، عندي منه دينار إلا أرصده لدين، إلا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا وهكذا» وأرانا بيده، ثم قال: «يا أبا ذر» قلت: لبيك وسعديك يا رسول الله، قال: «الأكثرون هم الأقلون، إلا من قال هكذا وهكذا». يعني الحديث أن الأكثر مالاً أكثر حساباً يوم القيامة ما لم يؤد حق الله في هذا المال. وأحسب أن هذا ينطبق على أعداد المتابعين والشهرة فذلك يجلب المال، فكم من إنسان شهرته كانت سعادة ومالاً له في الدنيا ولكنها وبال عليه في دينه. فهو في رحلة البحث عن (محتوى) يتساهل مع منكرات عظيمة، وربما أفشى عقائد وأفكاراً فاسدة في الناس. ثم هو لم يؤد حق (محبة الناس) وحق ذلك قول كلمة الحق وإن كرهوا، فهذه زكاة الجاه، فإن كثيراً منهم يحابي جمهوره ويخاف من تهمة التشدد والغلو، بل كونك متديناً عند كثير منهم تهمة. وكثير من المتدينين يخاف من تهمة (التشدد) و (الغلو) و (التطرف) أشد من خوفه من تهمة (الابتداع) أو (الضلال)، فإن تبعات التهم الأولى في زماننا أعظم بكثير من تبعات التهم الأخيرة، (هذا في ميزان الناس وإلا فميزان الشرع مختلف). وفي حميا مزايدة هذا ومزايدة هذا قد يأتي الموت على حين غرة. كثير منهم يكون مشهوراً ثم يهبط محتواه ويرى ذلك نقمة، وذلك في الحقيقة نعمة وإمهال قد يراجع نفسه بل قل حتى يستعيد نفسه. فإن للشهرة سكراً كسكر الخمر، تمضي على المرء الأيام والليالي ولا فكر له سوى كيف يزيد عدد متابعيه، لا يخلو بنفسه ولا يتدبر آية ولا يسمع موعظة ولا يتفكر في حال نفسه، بل حتى المتعة البريئة المباحة تذهب. وقد رأيت بعض المشاهير الغربيين ممن لا يرجو الله واليوم الآخر هرب من هذه الحال بعدما بلغ فيها مبلغاً يتمناه الكثيرون، لأنه باختصار فقد نفسه فكيف بمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر! وأما من كانت زيادة متابعيه وهو على خير فنرجو له أن يراجع إخلاصه ولا يبعده ذلك عن التعلم، فمن أسوأ ما منيت به الحالة العلمية أن النابه قديماً ربما كتب بحثاً جيداً أو حرر تحريراً حسناً فيعرضه على شيوخه فيثنون عليه ثناءً منضبطاً، ثم يحثونه على الاستمرار في الطلب ويراقبونه فلا يزالون به حتى يشتد عوده (هذا إن لقي شيخاً ناصحاً وهم قلة). وأما في زماننا فالنابه ما إن يكتب بحثاً حسناً ويبثه في مواقع التواصل ويحصل لذلك شهرة فإنه مع زيادة عداد المتابعين يرى نفسه قد بلغ مبلغاً عظيماً، وتأتي الأسئلة والاستشارات من كل حدب وصوب، ويجتهد معتمداً على ذكائه وما معه من معلومات في الإجابة فيكسل عن كثير مما ينبغي أن يتعلمه. وما أكثر ما رأينا هؤلاء يخوضون فيما لا يحسنون، لمجرد أنهم أحسنوا في باب معين في وقت حاجة لهم في هذا الباب.