التنبيه على خطأ شائع في التعامل مع مخطوطات القرآن وكتب الحديث بقياسها على مخطوطا
التنبيه على خطأ شائع في التعامل مع مخطوطات القرآن وكتب الحديث بقياسها على مخطوطات الكتاب المقدس
قال مصطفى صادق الرافعي في تاريخ آداب العرب :" وفريق آخر رأيناهم ينكرون كل ما جاءت به الروايات ويتهمون الكتب ويطعنون على الإسناد، ومن غريب التناقض في أمر هؤلاء أن في نفس اعتراضهم الجواب عليه، فهم يقولون إن الخبر من الأخبار لا يثبت إلا عن رؤية حتى تكون حكايته على يقين، فإذا عارضتهم بخبر وناظرتهم فيه قالوا لك: هل رأيت؟ هل شهدت؟ هل لقيت صاحب الخبر، وليت شعري، هل غاية الإسناد إلا أن تكون كأنك رأيت وشهدت ولقيت صاحب الخبر الذي تسنده؟ وهل هو -الإسناد- إلا تحقيق المعاصرة التي هي الشرط في ثبوت الرواية حتى كأنك أشهدت الزمان على صحة ما ترويه؛ لأن كل رجل في سلسلة الإسناد إنما هو قطعة من الزمن تتصل بقطعة إلى قطعة حتى يتهيأ من ذلك مسلك التاريخ ويتضح نهجه كأنك تبصره على رأي العين ويقين الخبرة"
هنا يشير إلى فائدة هامة وهي أن الإسناد إنما وضع لتكون كمن شهد من خلال النظر في نقل النقلة ومعرفة منزلتهم فهم يتكلمون عن الروايات وكأنه لا يوجد منهج للتنقيح أصلاً
وكلمته هذه تذكرني بقول الذهبي في كتابه العلو للعلي العظيم :" أحمد بن سلمة: سمعت إسحاق بن راهويه، يقول: جمعني وهذا المبتدع -يعني إبراهيم بن أبي صالح- 202 مجلس الأمير عبد الله بن طاهر، فسألني الأمير عن أخبار النزول فسردتها، فقال ابن أبي صالح: كفرت برب ينزل من سماء إلى سماء. فقلت: آمنت برب يفعل ما يشاء.
إسحاق الإمام يخاطبك بها."
قول الذهبي ( إسحاث الإمام يخاطبك بها ) يعني من قوة الإسناد كأنك سمعت القصة من إسحاق مباشرة
والذي أريد التنبيه عليه أن كثيراً ممن يخاطب النصارى والملاحدة ومنكري السنة في أمر القرآن وكتب الحديث يغفل عن أمر هام وهو أنه لا يجوز قياس مخطوطات القرآن حتى وإن كانت متأخرة على مخطوطات الكتاب المقدس والأمر نفسه في مخطوطات كتب الحديث ( هذا مع توفر مخطوطات قديمة جداً )
فمثلاً إن وجدنا مخطوطة للكتاب المقدس في القرن الرابع الميلادي فهذا لا يقاس على إيجادك لمخطوطة للقرآن أو صحيح البخاري في القرن الرابع الهجري
وذلك أن مخطوطات المسلمين ليست مكتوبة مع جهالة ناسخيها في زمن معين فحسب بل مخطوطات المسلمين لها أسانيد وهذا ما يعرفه الناس بالسماعات على المخطوطات فأنت تجد في هذه المخطوطة لصحيح البخاري سماعاً بمعنى أن ناسخها قرأها على شيخ من نسخة هذا الشيخ وهذا الشيخ قرأها من نسخة عن شيخه وهكذا حتى تصل إلى الإمام البخاري وثبتت هذه القراءات في محاضر سماع وعليها شهود ومن ادعى سماعات لم يسمعها فإن الناس يفضحونه ويقومون عليه فهذا كان يقع فيه التنافس فمن ادعى شيئاً لا حقيقة له قام عليه الناس
فالمخطوط الذي عليه سماعات وأسانيد يتجاوز زمن كتابته وكذلك أخذنا للقرآن لم نعتمد فيه على النسخ المكتوبة فحسب بل الإنسان كان يأخذ مصحفه ويقرأ على شيخ ويأخذ إجازة ثم يقريء إنساناً بعده بالطريقة نفسه وكل ذلك على أعين الناس وإقرارهم فأنت إن وجدت نسخة كتبها حافظ في القرآن الرابع الهجري مثلاً أخذها من شيخه قراءة عليه بالإجازة وهكذا تصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم لا يصح لك قياس هذه النسخة على نسخة مجهولة الناسخ ليس فيها سماع ولا مقابلة للكتاب المقدس في القرن الرابع الميلادي مثلاً
وهذه مجرد إفادة وإلا فنحن عندنا التواتر والسلامة من التناقض والاضطراب ولكنني وجدت كثيراً يسلمون للمستشرقين ومن تبعهم هذا القياس الفاسد فأردت التنبيه وبسبب هذا القياس الذي سببه حسد المستشرقين لأمة الإسلام على خصوصياتها تولدت إشكالات وأجوبة تنزلية لم يكن لها كبير حاجة.