=
=
ولو كنا سنأخذ باستدلال هؤلاء على التهوين من شأن مجالس السماع لاستدللنا على التهوين من شأن أغاني الفساق لأن ابن القيم ذكرها في الباب.
ثم ابن تيمية كان يأتي بأبيات المشركين ويقول لابن القيم: لا ينبغي هذا إلا لله. فهو يقولها على قصد مخاطبة الله.
وقال ابن القيم في آخر هذا الفصل: "فهذا مما ينتفع به السامع ولا يتضرر به إذا صادفه مصادفةً فاستراح به، ولو تكلَّفه لكان له فتنة ومحنة".
وابن القيم يقول هي كالفأل، بمعنى أن تأثُّر المتأثِّر بها لا يعني أنه يقرُّ المعنى الذي يريده الشاعر، وإنما قد يذكِّره ذلك بمعنى يهيِّجه، كما نبَّهنا على أن بعضهم حصل له ذلك مع قصائد غزل أو حب أوطان.
وأعلم جيدًا أنه بعد هذا التعقب سيأتي الاعتذار البارد المعتاد، وهو أن الناقل يعلم ذلك ولكنه قصد قدرًا من الفائدة، وهذا تلبيس، فعامة من سيقرأ الكلام سيفهم أن الشيخ يتقصد حضور مجالس السماع ويستهين بأمر الشرك فيها ولا ينكره، وعامتهم لن يفهموا داعي ذكر ابن القيم للأمر وأنه ذكره في كتاب بُنِي على إنكار هذه الأمور أصلًا.
ولكن الشقي حقَّ الشقاء من فتح الله له شيئًا من باب العلوم فبدلًا من أن تصير سببًا في رفعة درجاته صيَّر ذلك سببًا في التلبيس على الخلق والمناكفات والتهوين من شأن العظائم.
ومن اللطائف في هذا الباب ما جاء في ذيل طبقات الحنابلة (٢/ ٣٦٦) في ترجمة علي بن محمد بن علي بن الزيتوني المعرف بالبراندسي:
"قال ابن القطيعي: وفي سنة اثنين وسبعين، عملت دعوة للصوفية والعلماء على اختلاف مذاهبهم، فمنهم من أكل وانصرف، ومنهم من حضر السماع، وكان البراندسي ممن عجز عن الخروج مع من أكل وانصرف، فأقام وأغلق الباب دونه، وحضر السماع، فحيث علم أهل باب البصرة تخلفه دون جميع أصحابه كابن الجوزي، وابن عبد القادر، قالوا فيه الشعر. وهجره جماعة من عوامهم. فأنشدني الشيخ أَبُو عبد الله الخياري لنفسه فيه:
أيها الشيخ، من ينافق خلوة ... يظهر الله ذلك الفعل جلوة
كنت تفتي أن السماع حرام ... كيف حل السماع يوم الدعوة؟
عشت ما عشت بين زهد ونسك ... وتسميت في الشريعة قدوة
ثم خلعت العذار في اللهو والرقص ... وبين البلى وبينك خطوة
كنت حقا لو رقص الطفل حوقلت ... وأنكرت بارتعادٍ وسطوة
كيف جاز الجلوس بين حُداة ... لم يفت في سماعهم غير قهوة؟
لا تبهرج فليس عندك عذر ... يلزم القوم ما أتوا بك عنوة
إنما أنت حين خبرت أن الرقص ... من بعده صحاح وكسوة
ودجاج وبط حثك البخل ... فلا تعتر بقولك شقوة
ودع الآن شغلك بالفقه ... وخذ في لباس دلق وركوة
قال: وسمعت ابن الجوزي يقول: دخل البراندسي الدعوة وأكل، وأراد الانصراف معنا، فأُغلق الباب دونه. وما علم حقيقة ما يجري، وحصل هناك، لا أنه اختار هذا".
فالحنابلة من قبل ابن تيمية على الإنكار في هذا والتشديد فيه.