قول الله تعالى: ﴿وجوهٌ يومئذٍ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾
قول الله تعالى: ﴿وجوهٌ يومئذٍ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾
فيه مأخذ عجيب ألا وهو ذكرُ نضارة وجوه الناس بنظرها إلى وجه الله عز وجل فكأن المعنى أن من شدة جمال وجه الرب تقدست أسماؤه من ينظر إليه يحسن وجهه إذ جماله سبحانه فيَّاض
وقيل أن النضارة آتية من شدة السرور والحبور بتلك الرؤية ولا تنافي بين المعنيين
العجيب في الأمر أن هذا المعنى فطن له بعض عتاة المعتزلة وهو إبراهيم النظام ولما كان نافياً للرؤية كتب أبياتاً استخدم فيها هذا المعنى ولكنه نزله على محبوبه!
فقال إبراهيم النظام فيما نقله عنه صاحب الزهرة:
هوَ البدرُ إلَّا أنَّ فيهِ رقائقاً ... منَ الحسنِ ليستْ في هلالٍ ولا بدرِ
وينظرُ في الوجهِ القبيحِ بحسنهِ ... فيكسوهُ حسناً باقياً آخرَ الدَّهرِ.
وتأمل أنه ذكر البدر في بداية الأبيات وهذا يوحي بأن في ذهنه حديث «إنكم سترون ربكم كما ترون البدر» وقد ذكر أنه ينظر في الوجه القبيح وليس أن الوجه القبيح ينظر إليه وكل هذا قريب لأنه يقصد النظر المتبادل عند المواجهة
وهذه جادة مطروقة عند أهل التعطيل يأخذون المعاني التي لله عز وجل وينزلونها على من يحبون وقد كثر ذلك في متأخريهم في الأنبياء والأولياء الصالحين
ولو تأملت ما يقولون فيهم في حضراتهم لرأيت عامة ما يقولونه يناسب أن يقال في الله عز وجل غير أن هيبة الإثبات الذي يسمونه تجسيماً جعلتهم يهربون من هذا في الله عز وجل ويشبعون ما في أنفسهم من وجود مألوه بهذه المعاني بتنزيل ذلك على الأولياء الذين هم أجسام أصالةً
وهذا المعنى لا يفطن له كثير من متأخريهم غير أن هذا أصل الباب ومنهم يتجاوز هذا ويستجيب للفطرة ويتكلم عن رب العالمين على الإثبات الوارد في النصوص فإذا حوقِق قال أقصد كذا وكذا وتأول كلامه مع أن عدداً من متعصبيهم يوصون بعدم ذكر أخبار الصفات بين العامة لئلَّا يُفتنوا بدعواهم وهذا أولى أن يُفعل مع القصائد
ومما يقرب لك هذا المعنى قول عدد من متأخريهم أن الله عز وجل لا ينبغي أن يُعبد رغبةً في جنته أو خوفاً من ناره بل حباً فيه، ومنهم من لا يقول هذا ولكن يجعل مقام الرغبة عن الجنة أعلى مقامات الأولياء والصديقين
وفي الحقيقة هذا الكلام مشكل على أصولهم في باب الاعتقاد من وجه وإن كان متفرعاً على هذه الأصول من وجه آخر
أما التفرُّع فغلاتهم ينفون الرؤية لله عز وجل في الجنة ومتوسطيهم يتأولونها تأويلاً يؤول إلى نفيها وتأويلها بمزيد العلم مع تصريحهم بإثباتها بألسنتهم وفيهم من يثبتها ويورد الاحترازات ولكنه في النهاية يقِّر بقدرٍ من الإثبات
ولا فصل بين نعيم الجنة ورؤية الله عز وجل فكل من دخل الجنة رأى الله عز وجل فلا يقال يا رب احرمني من جنتك وقربني منك فالجنة قُرب منه سبحانه قرب حقيقي لأن سقفها عرش الرحمن والله يقول لأهل الجنة وأحلُّ عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبداً.
وهذه المعاني معكوسة في أهل النار فأشد عذابهم الحجب عن رب العالمين وأن يحل عليهم السخط غير أن من عطل الصفات قد يتوهم الفصل لأن هذه المعاني الإيمان بها يقتضي الإيمان بالصفات أولاً فلما كان معطلًا لها لَم يفهم الأمر على وجهه
وأما الإشكال على أصولهم فهو أنهم لا يثبتون لله عز وجل أفعالاً قائمة بذاته وإنما فقط أفعالاً متعدية أو مفعولاً فمثلاً قول الله عز وجل {وغضِب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيمًا} الغضب هو نفس العذاب لأنهم لا يثبتون لله الأفعال الاختيارية
وعليه تكون الجنة هي رضا الله عز وجل ورحمته وليس معنىً قائماً في ذات الله عز وجل تفرَّع عنه خلق الجنة، والنار هي غضب الله عز وجل، فتُشاهَد جلالة الله عز وجل في مخلوقاته فحسب، وتصوُّر المحبة مع ذاتٍ معطلة عن الأفعال الاختيارية تصوُّر عسير وذلك أَن المحبة معنىً يقوم بالذات وهذا لا يثبتونه لله عز وجل ويترتب على هذه المحبة أفعالاً متعدية من الإنعام والإكرام وهذا ما يكون في الجنة فما وجه الفصل بين الأمرين بين الجنة ومحبة الله!
خصوصا وأن أي تواصل حسي مع رب العالمين منتفٍ عندهم لداعي توهُّم التجسيم فما يكون في قلب العبد يوم القيامة هو أنه يشاهد تحقُّق وعد الله وأصل التصديق في مذهبهم لا يزيد ولا ينقص عند الغالبية منهم فصار الانتفاع بهذا المعنى محدوداً فالله عز وجل في الفاتحة التي نقرأها في الصلاة وصف نفسه بقوله {الرحمن الرحيم} هكذا عرَّفنا نفسه وحصرُ الرحمة بآثارها يقطع سبيل المعرفة بالله عز وجل ونصير ننظر إلى الأمور من خلال المخلوقات فحسب دون أن ترفعنا إلى الخالق محبة ورغبة ورهبة.
=