كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

تساؤلات حول أصول الفقه على طريقة المتكلمين..

المصدر
تساؤلات حول أصول الفقه على طريقة المتكلمين.. هذا التركيب (أصول الفقه على طريقة المتكلمين) تركيب مشكل، وذلك أن علم أصول الفقه علم يشتغل بالأدلة الإجمالية على المسائل الفقهية، ويبحث فيما يصلح أن يكون دليلاً وكيفية الاستدلال به، فيبحث في حجية الكتاب (ويدخله مبحث القراءات) والسنة، والإجماع والقياس، ومتى يكون ذلك حجة، وتعارض الأدلة، وكيفية الجمع، ودلالات الألفاظ، والناسخ والمنسوخ، وغير ذلك. وثمرة ذلك أن المرء يمكنه الاستدلال في مسائل الشرع والتي غالبها مسائل الحلال والحرام، المسائل الفقهية، لهذا سمي (أصول الفقه) وأهل الحديث يستدلون في العقائد بأدلة الكتاب والسنة، وكذلك جماعات من أهل الكلام، ولكنهم يشترطون لذلك عدم وجود معارض عقلي بحسب أصولهم الكلامية متصلة السند بالفلسفة اليونانية. وأما علم الكلام فأصحابه يزعمون أنه إثبات أصول الدين بالأدلة العقلية، وحقيقة الأمر تسليم لأصول فلسفية وبحث مسائل الغيبيات الكبرى من خلالها. وهنا تظهر المشكلة؛ فعلم الكلام بابه العقائد وأما أصول الفقه فمتعلقها فقهي مذهبي، والمذاهب استقرت وثبتت على يد أناس لا علاقة لهم بعلم الكلام. وإذا كان أصول الفقه علم يبحث في الأدلة الشرعية فما علاقة علم الكلام الدخيل على العلوم الشرعية به؟ بل علم الكلام صراحة ليس من العلوم الشرعية. الواقع أن أهل الكلام عمدوا إلى أصول الفقه وأصول الحديث بل وحتى علوم اللغة وأدخلوا فيها أصولهم، والتي نحتاج إلى تنقية العلوم منها، وهذه الأصول لا تفيد المرء في تحصيل ما يريده من علوم الآلة في فهم العلوم الشرعية، لأنها باختصار قادمة من علم دخيل. وهناك رسالة للدكتور محمد العروسي بعنوان (المسائل المشتركة بين أصول الدين وأصول الفقه) والباب لا يحتاج إلى المزيد من الرسائل. وهنا سأذكر إشكالاً كبيراً على منظومة أصول الفقه الكلامية تُشكل على التقليد الفاشي بين المتأخرين، وأنه من الصعب الجمع بين أصول فقه المتكلمين والاستسلام لتقليد مذهب معين. قال القرافي في الفروق (2/151): "قال العلماء: ويلحق بأصول الدين أصول الفقه قال أبو الحسين في كتاب المعتمد في أصول الفقه إن أصول الفقه اختص بثلاثة أحكام عن الفقه أن المصيب فيه واحد والمخطئ فيه آثم، ولا يجوز التقليد فيه وهذه الثلاثة التي حكاها هي في أصول الدين بعينها فظهر لك الفرق بين قاعدة ما يكون الجهل فيه عذرا وبين قاعدة ما لا يكون الجهل فيه عذرا". أبو الحسين البصري الذي ينقل عنه القرافي هو صاحب كتاب المعتمد في أصول الفقه، وهو رجل معتزلي، وله دور تأسيسي في أصول الفقه على طريقة المتكلمين، يشهد له بذلك الأشاعرة قبل غيرهم. المتكلمون في غالبهم إذا قالوا (أصول) فهم يريدون المسائل الغيبية، وإذا قالوا (فروع) فهم يريدون الفقهيات، وقد اعترض شيخ الإسلام على هذا التقسيم في أنهم يطلقون عدم العذر في الأصول والعذر في الفروع، مع أن مسائل الأصول وفقاً لاصطلاحهم قد تكون أخفى من بعض مسائل الفروع وفقاً لاصطلاحهم والعكس، ولهذا التقسيم الصحيح لا يكون بحسب نوع المسألة (علمية أو عملية) وإنما بحسب ظهورها وخفائها، والظهور والخفاء تتعلق به قرائن أيضاً تخرج الخفاء إلى الظهور والظهور إلى الخفاء في حق بعض الأفراد هذه، خلاصة تقرير الشيخ. هنا نجد أن أبا الحسين يلحق أصول الفقه بأصول الدين، فيراها تختلف عن الفروع (المسائل العملية) بأن المصيب فيها واحد. والحق واحد في كل مسائل الخلاف، ولكن أهل الكلام ذهب جماعة منهم إلى تكافؤ الأدلة في الفروع، فلا يذهبون إلى تعيين مصيب أو مخطيء ويرددون (لا إنكار في مسائل الخلاف) على هذا الأساس، ويخلطون بين مسائل الخلاف ومسائل الاجتهاد، ويرون أنهم لو عينوا مصيباً واحداً لزم التأثيم لكل المخطئين. وهذا كله منقوض بالحديث النبوي (إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر وإذا اجتهد فأصاب فله أجران) فأثبت صواباً واحداً وأثبت خطأ بلا تأثيم، ونبه شيخ الإسلام على أن الخطأ الواحد قد يقع فيه اثنان فيكون أحدهما معذوراً لعدم بلوغ الدليل إليه والآخر ليس كذلك، ويشير لذلك حديث القضاة الثلاثة. =