عبرة من حديث الواعظ المبرقع…
عبرة من حديث الواعظ المبرقع…
قال الخطيب البغدادي في تاريخه: "6483- علي بن محمد بن أحمد بن الحسن، أبو الحسن الواعظ المعروف بالمصري"
وذكر شيوخه ثم قال: "وصنف كتبا كثيرة في الزهد، وكان له مجلس يتكلم فيه بلسان الوعظ.
فحدثني الأزهري أن أبا الحسن المصري كان يحضر مجلس وعظه رجال ونساء.
فكان يجعل على وجهه برقعا تخوفا أن يفتتن به النساء من حسن وجهه".
أقول: هذا خبر صحيح السند عن هذا الواعظ، وقديماً إن وجدت شيئاً في الكتب من هذا القبيل كنت أمرُّ عليه مرور الكرام، وربما رأيت أن فيه مبالغة ظاهرة تمنع من ذكر مثل هذا على العامة.
غير أنني لما رأيت مواقع التواصل صرت أقف مع هذا وقفة طويلة، فلا زلت أذكر حادثة الشاب الوسيم هيرين كاميرون الذي تورط بعملية دهس وتعليقات كثير من النساء عليه.
ولا زلت أرى أن وسامة الداعية تؤثر في قبول خطابه وانتشاره، وهذا أمر مشاهد لا يدفعه إلا مكابر.
ومنهم من إذا آنس هذا من نفسه، بالغ في التزين والتأنق وتوجيه الخطاب والإشارات إلى النساء، على عكس حال هذا الواعظ المصري البغدادي.
وهذا ليس مختصاً بالدعاة، بل هو في عامة المشاهير، غير أنه في الدعاة أقبح، وقد كثر هذا، خصوصاً في هذا الزمان الذي أتيح فيه للنساء سهولة التواصل مع الرجال والتعليق عليهم، مع تأخر سن الزواج وكثرة الفتن.
فقد كنا قديماً نظن أن الافتتان والمعاكسات أمر مختص بالرجال تجاه النساء، ولم يكن العكس متصوراً تمام التصور عندنا.
وقال ابن الجوزي في «تلبيس إبليس»: "فصل: ومن القصَّاص من يخلط في مجلسه الرجال والنساء وترى النساء يكثرن الصياح وجداً على زعمهن فلا ينكر ذلك عليهن جمعاً للقلوب عليه".
ولهذا الضرب من القصَّاص وارث في مواقع التواصل التي يعتبر فيها الناس أنفسهم بالأرقام، فكم من إنسان لان في خطابه في قضايا شرعية تتعلق بالمرأة (جمعاً للقلوب عليه).
ورأى أموراً ظاهرها شيء وباطنها آخر، فهي مجرد (زعم)، ولم ينكرها، كما قال ابن الجوزي (يكثرن الصياح وجداً بزعمهن)، فكأنه لا يصدِّقهن ويرى أن ذلك ما وقع إلا لِلَفت أنظار الرجال.
وهنا لا أريد من الداعية أن يستر وجهه فهذا مطلب عسير، خصوصاً وأن في زماننا صارت الصورة عند كثير من الناس من عوامل رفع الجهالة أكثر من إظهار الاعتقاد (وهذا سفهٌ أذكره تهكماً).
وإنما أريد ألا يكون من جنس الوعاظ الذين تكلم عنهم ابن الجوزي.