ما أنكره المقريزي على القاضي الحنفي.
ما أنكره المقريزي على القاضي الحنفي.
قال أبو العباس المقريزي (المتوفى: 845هـ) في السلوك لمعرفة دول الملوك (7/464) : "وفي هذا الشهر: ادعي على يهودي متزوج أنه زنى ليهودية فعني به بعض خواص السلطان حتى حكم له بعض نواب القضاء الحنفية برفع الرجم عنه. ونفذ حكمه من عداه من القضاة الذين مذهبهم رجمه فكان هذا من شنيع ما حكم به زمنا. وهو وإن كان مذهب الحنفية أن الكتابي المتزوج لا يرجم فإنه لم يحكم به قاض فيما أدركناه".
أقول: هنا المقريزي يحكي قصة عن يهودي محصن زنا في دولة الإسلام، والعادة في مثله الرجم، غير أن هذا توسط له بعض خواص السلطان فوجدوا له مخرجاً في المذهب الحنفي أن في مذهبهم أن اليهودي المحصن إذا زنا لا يرجم، فرأى المقريزي ذلك شنيعاً وإن كان مذهب الحنفية.
ووجه تشنيعه أن هذا المذهب خلاف السنة، وهي أول مسألة وضعها ابن أبي شيبة في كتاب (الرد على أبي حنيفة).
والذي عليه المحققون أنه يجوز الإنكار في مسائل الخلاف إذا كان القول ضعيفاً، وإلا فالمقريزي يعد المذهب الحنفي مذهباً معتبراً.
واليوم تجد من يشنع على مخالف (معتمد المذاهب الأربعة) ثم هو لا ينكر على مخالف السنة.
علماً أن مخالف (معتمد المذاهب الأربعة) أنواع، فقد يخالفهم متتبع الرخص أو مخالف الإجماع، وهذا الذي ينكر عليه (كالقائل بحل المعازف أو حل إتيان النساء في الدبر)، وقد يأخذ من يخالفهم بقول قوي في أحد المذاهب الأربعة، كأن تكون رواية عن الإمام ولها دليلها (كالقول بالمنع من تكرار العمرة في سفر واحد، هذا قال به طاووس وأقر أحمد كلامه في رواية أبي طالب)، فهذا لا يستوي مع سابقه، وقد يكون من يخالفهم يأخذ بقول إمام مجتهد لا يقل عن المتبوعين إن لم يزد على بعضهم ومعه حجة قوية، كمن يأخذ بقول إسحاق في قضاء الحامل والمرضع وقوله بقطع يد جاحد العارية، وأحياناً يكون (معتمد المذاهب) ليس نصوص الأئمة ولا حتى متقدمي أصحابهم وإنما أمور فشت بين المتأخرين الذين لم يبلغوا الاجتهاد، وتتابعوا عليها فيرفعها المقلد إلى مستوى نصوص الأئمة، كمثل كلامهم في قضايا شد الرحال ونحوها.
وخلط المنسوبين للمذهبية بين كل الأنواع السابقة محل نقد شديد مع تسامحهم بمخالفة السنة إذا نسبت إلى مذهب، سواءً كان ذلك نصاً لإمام المذهب أو كلاما لبعض المتأخرين.
قال ابن حجر في الدرر الكامنة في ترجمة جلال التباني الحنفي (2/97) : "وله تصنيف في منع تعدد الجمعة والآخر في أن الإيمان يزيد وينقص وكان محبا في السنة حسن العقيدة شديدا على الاتحادية والمبتدعة وانتهت إليه رئاسة الحنفية في زمانه".
فهذا رجل حنفي بل رئيس من رؤسائهم، ولكنه يصنف مصنفات في مخالفة مذهبه في الأمور التي خالفت السنة، فهذا محل مدح وليس محل حط وسخرية كما انتشر عند كثير من الخلوف، بل أسوأ الناس حالاً من يتمسك بمذهبه في الأمور الضعيفة، وإذا خالف مذهبه خالفه متتبعاً للرخص أو سائراً مع الثقافة الأجنبية.
وقد يكون وجه نقد المقريزي استخدام الفقه لمحاباة اليهودي، والبحث له عن مخرج، وهذا قبيح.
واليوم من الناس من يبحث في المسائل الفقهية بنفس انهزامي تحت سطوة الثقافة الغالبة، حتى رأيت مرةً شخصاً يرجح أن دية الذمي مثل دية المسلم معللاً ذلك بأن هذا أنسب للعصر (مع أن عصر العالمانية لا يقبل فيه مفهوم أهل الذمة من أصله).
وقد يكون وجه نقد المقريزي في تجاهل حكم أغلب المذاهب، والمضي على مذهب أهل الرأي فحسب، وبين في كلامه أن فقهاء الحنفية كانوا يسكتون على حكم بقية المذاهب، خصوصاً وأن عوام المسلمين يرون الرجل المسلم يرجم فكيف يترك اليهودي والنصراني بلا رجم. (فإذا جئنا نرجم المسلم تعصب له قومه وقالوا تركتم الكافر وترجمون صاحبنا، فلا يزال الأمر بالناس هكذا حتى تترك العقوبة بالكلية كما فعل أهل الكتاب وقد كان)، فالسنة والنظر مع المذاهب الأخرى، ثم إن أبا يوسف وافق الجمهور في هذه المسألة، والحنفية لا يرون وفاق أبي يوسف خروجاً عن المذهب الحنفي.