باب فيمن شملته سعادة العرب والمسلمين!
باب فيمن شملته سعادة العرب والمسلمين!
حين هاجم ابن سينا الأمة العربية الإسلامية وصغرها أمام اليونان، رد عليه ابن تيمية -رحمه الله- بغضب وكان مما قاله في الدرء (٥/٧١):
"فأين هذا من لسان أصحابك الطماطم، الذين يسردون ألفاظاً طويلة والمعنى خفيف؟ ولولا أن مثلك وأمثالك ممن شملته بعض سعادة المسلمين والعرب، فصار فيكم بعض كمال الإنسان في العقل واللسان، فعربتم تلك الكتب وهذبتموها وقربتموها إلى العقول، وإلا لكان فيها من التطويل والهذيان ما يشح بمثله على الزمان".
لفتت نظري كلمة الشيخ (شملته بعض سعادة المسلمين والعرب)
وما فيها من فتوح وحل إشكالات، فهناك شخصيات تاريخية ذات إنجاز تجريبي أو علمي أو سياسي أو عسكري ولكنها ابتليت بسوء المعتقد.
فيجد المرء في نفسه تقديرا لما فعلوا، ولكنه يتحاشى سوء معتقدهم.
وفي كلمة الشيخ ما يبين أن هذه الانجازات من بركة الأمة التي بوركت بالوحي، وإن كان هؤلاء خالفوها في معتقدها الأساس إلا أن عيشهم بين المسلمين كان له بركته عليهم، كما نبه ابن تيمية على أن ابن سينا انتفع باللسان العربي وطريقة أهله في البيان فأحسن التهذيب والترتيب.
وممن أدركته بعض سعادة الأمة، وليته أدركها كاملة، طلائع بن رزيك قال عنه المقريزي في المواعظ والاعتبار:
"وكان شجاعا كريما جوادا فاضلا محبا لأهل الأدب جيد الشعر، رجل وقته فضلا وعقلا وسياسة وتدبيرا، وكان مهابا في شكله، عظيما في سطوته، وجمع أموالا عظيمة، وكان محافظا على الصلوات فرائضها ونوافلها، شديد المغالات في التشيع، صنف كتابا سماه الاعتماد في الردّ على أهل العناد، جمع له الفقهاء وناظرهم عليه، وهو يتضمن إمامة عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، والكلام على الأحاديث الواردة في ذلك، وله شعر كثير يشتمل على مجلدين في كلّ فن، فمنه في اعتقاده:
يا أمة سلكت ضلالا بينا ... حتى استوى إقرارها وجحودها
ملتم إلى أنّ المعاصي لم يكن ... إلّا بتقدير الإله وجودها
إلى أن قال :
وكان له مجلس في الليل يحضره أهل العلم ويدوّنون شعره، ولم يترك مدّة أيامه غزو الفرنج وتسيير الجيوش لقتالهم في البرّ والبحر، وكان يخرج البعوث في كل سنة مرارا، وكان يحمل في كلّ عام إلى أهل الحرمين مكة والمدينة من الأشراف سائر ما يحتاجون إليه من الكسوة وغيرها".
فهذا الرجل على تشيعه وسبه للأمة تعلم منهم أمر الجهاد والسخاء، فهذه الأحوال سنها أهل القرون الفاضلة عملا بالكتاب والسنة.
ونظير ما ذكرنا هنا معتزلي تفقه للشافعي، أو أي منحرف عقدي، فتجده يدركه من بركة علم الشافعي عليه الشيء العظيم، ولكنه يكون كابن سينا انتفع باللسان وترك أصول الاعتقاد.